قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء تردد وجهك في جهة السماء تطلعا للوحي، كان يود أن يحوله الله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام وأدعى للعرب إلى الإيمان ومخالفة اليهود، وهذا أول القصة وأمر القبلة أو ما نسخ من أمور الشرع بعد الهجرة، واختلف العلماء في كيفية قبلته صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بمكة ؟ فقال قوم : إنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، رواه أحمد عن ابن عباس ورواه ابن سعد أيضا وسنده جيد، وأطلق آخرون وقالوا إنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال البغوي كان يصلي إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس، روى ابن جرير وغيره بسند جيد قوي عن ابن عباس قال لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، وقال ابن جريج أنه صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر إلى المدينة، والأول أصح وأقوى وعند الجمع يؤل إليه الأحاديث، واختلف الرواية في أنه كم صلى بعد الهجرة إلى بيت المقدس ؟ فعند أبي داود وغيره عن ابن عباس سبعة عشر شهرا، وعند الطبراني والبزار عن عمرو بن عوف وعند ابن أي شيبة وأبي داود وغيرهما عن ابن عباس، وعند الإمام مالك وغيره عن سيعد بن المسيب ستة عشر شهرا، وعند البخاي عن البراء بن عازب ستة عشر أو سبعة عشر شهرا بالشك، والحق أنه كان ستة عشر شهرا وأياما فإنه صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين خامس ربيع الأول ودخل المدينة يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول وكان التحويل بعد الزوال خامس عشر من رجب من السنة الثانية قبل وقعة بدر بشهرين على الصحيح، وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس فمن اعتبر الأيام شهرا كاملا عد سبعة عشر وإلا فستة عشر، وما روي ثلاثة عشر أو تسعة عشر أو ثمانية عشر أو شهرين أو سنتين فضعيف والله أعلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل الكعبة لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد في ديننا ويتبعنا في قبلتنا، فقال عليه السلام :«وددت لو حولني الله تعالى إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم » فقال جبرائيل : إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فاسأل أنت ربك فإنك عند الله بمكان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الله ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله تعالى فأنزل الله تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً أي نمكنك من استقبالها من وليته بمعنى صيرته واليا، أو المعنى فلنجعلنك تلي وجهتها أو لمعنى فلنحولنك إلى قبلة ترضاها تحبها لأغراض صحيحة مرضية لله تعالى فول حول وجهك من البيت المقدس عند الصلاة شطر الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل دار شطور منفصلة عن الدور ثم استعمل لمجانبه وإن لم ينفصل منصوب بنزع الخافض إلى شطره وقيل منصوب على الظرفية أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد الحرام أي في جهته وسمته والحرام بمعنى المحرم فيه القتال والاصطياد وقطع الشجر والشوك ونحو ذلك، وذلك هو الحرم وإنما ذكر الحرم أو المسجد دون الكعبة مع أنها هي القبلة إشارة إلى أن الواجب على الثاني استقبال جهة الكعبة دون عينه، روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ما بين المشرق والمغرب قبلة »* قلت : أراد بالمشرق مشرق أقصر أيام السنة وبالمغرب مغرب أقصر الأيام وذلك جهة الجنوب وهي قبلة أهل المدينة وكذا أهل كل قطر قبلة فلأهل الهند القبلة بين المغربين مغرب رأس السرطان ومغرب رأس الجدي، ذكر في المواهب وسبيل الرشاد أنه صلى الله عليه وسلم زار أم بشر بن براء بن معرور في بني سلمة يعني بعدما مات براء بن معرور فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مسجد هناك الظهر فلما صلى ركعتين نزل جبرائيل فأشار إليه أن صل إلى البيت فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، قال الواحدي : هذا عندنا أثبت، فصلى الظهر أربعا ثنتين إلى بيت المقدس وثنتين إلى الكعبة فخرج عباد بن بشر رضي الله عنه وكان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة وهم راكعون في صلاة العصر فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيت، فاستداورا. وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة فداروا كما هم قبل مكة*، فمحمول على أن البراء لم يعلم صلاته صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة الظهر، أو المراد أنه أول صلاة صلاها كاملا إلى الكعبة، أو أول صلاة صلى في مسجده صلى الله عليه وسلم هو العصر، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلا في صلاة الفجر من الغد كما في الصحيحين عن ابن عمر بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن نستقبل الكعبة فاستقبلوهان وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة*، وقال رافع بن خديج : إنه أتنا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يوجه إلى الكعبة فأدارنا إمامنا إلى الكعبة ودرنا معه.
وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ خطاب للأمة فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول صلى الله عليه وسلم أولا بالخطاب تعظيما له وذلك الخطاب وإن كان شاملا للأمة لكن بعد ذلك خوطب الأمة تصريحا لعموم الحكم وتأكيدا لأمر القبلة، روى البخاري عن ابن عباس قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال :«هذه القبلة »* وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة وأغلقها عليه ثم مكث فيها، قال ابن عمر : سألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه ثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى*، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، قلت : وهذين الحديثين لواقعتين فلا تعارض وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه يعني التحويل أو التوجه إلى الكعبة الحق من ربهم كانوا يعلمون من التوراة أن خاتم النبيين يصلي إلى القبلتين وإنما أنكروا ذلك تعنتا وعنادا وما الله بغافل عما يعملون قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء الفوقانية خطابا للمؤمنين والباقون بالياء التحتانية حكاية عما يفعل اليهود ففيه وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين.
التفسير المظهري
المظهري