٢٦- أما شأن القبلة١ فأخبرنا عبد الله بن محمد، قال : حدثنا حمزة بن محمد، قال : حدثنا أحمد بن شعيب، قال : أخبرنا أبو بكر ابن نافع، قال : حدثنا بهز٢، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا ثابت٣، عن أنس ؛ أن النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية : فول وجهك شطر المسجد الحرام ، مر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر، ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فمالوا ركوعا.
وذكر سنيد عن حجاج٤، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يستقبل صخرة بيت المقدس قبل قدومه –صلى الله عليه وسلم- ثلاث حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله تبارك وتعالى إلى البيت الحرام.
قال أبو عمر : من حجة الذين قالوا : إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إنما صلى إلى بيت المقدس بالمدينة، وأنه إنما كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا محمد بن وضاح، قال : حدثنا موسى بن معاوية، قال : حدثنا وكيع٥، عن إسرائيل٦، عن أبي إسحاق٧، عن البراء بن عازب، قال : لما قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- المدينة، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله -عز وجل- : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، فوجه نحو الكعبة، وكان يحب ذلك.
فظاهر هذا الخبر يدل على أنه لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس لا قبل ذلك- والله أعلم.
ويدل على ذلك أيضا، ما حدثنا به أحمد بن قاسم، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال : كان أول ما نسخ الله من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة –وكان أكثر أهلها اليهود- أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله : قد نرى تقلب وجهك في السماء ، إلى قوله : فولوا وجوهكم شطره ، يعني نحوه. فارتاب اليهود وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فأنزل الله : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ٨، وقال : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ٩، قال ابن عباس : ليميز أهل اليقين من أهل الشك.
وأجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم، هي الكعبة البيت الحرام بمكة وأنه فرض على كل من شاهدها وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى كذلك. ( ت : ١٧/٥١- ٥٤ ).
٢٧- قال الله –عز وجل- : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، في ذلك دليل على أن في أحكام الله تعالى ناسخا ومنسوخا، وهو ما لا اختلاف فيه بين العلماء الذين هم الحجة على من خالفهم. ( س : ٧/٢٠٤ ).
٢٨- حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا أحمد بن سلمان النجار ببغداد، قال : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس، قال : حدثنا أبو جعفر١٠، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله –عز وجل- : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ، يقول : إن الكعبة البيت الحرام قبلة إبراهيم والأنبياء –صلى الله عليهم وسلم- ولكنهم١١ تركوها عمدا. ( س : ١/١٨٢ ).
٢ - هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، الإمام المحدث أبو عبد الله القشيري البصري له عدة أحاديث عن أبيه عن جده، وعن زرارة بن أوفى... وعنه حماد بن سلمة، ويحيى القطان، وعدة. توفي قبل ١٥٠ هـ، انظر سير أعلام النبلاء: ٦/٢٥٣، والتهذيب: ١/٤٩٨..
٣ - هو ثابت بن أسلم الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أبو محمد البناني، مولاهم البصري، حدث عن عبد الله بن عمر، وابن الزبير، وأنس بن مالك.. وعنه عطاء بن أبي رباح، وقتادة، وحماد بن سلمة، وآخرون. اختلف في سنة وفاته بين: ١٢٣هـ و١٢٧هـ انظر سير أعلام النبلاء: ٥/٢٢٠- ٢٢٥، والتهذيب: ٢/٢..
٤ - هو حجاج بن محمد، أبو محمد الأعور، سمع ابن جريج، وشعبة بن الحجاج، والليث ابن سعد... وروى عنه سنيد بن داود، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم. توفي سنة ٢٠٦ هـ انظر تاريخ بغداد: ٨/٢٣٦- ٢٣٩، وطبقات المفسرين: ١/١٣١- ١٣٢..
٥ - هو وكيع بن الجراح بن مليح، يكنى أبا سفيان الرواسي، أسند عن الأئمة الأعلام، كإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج.. وعنه سفيان الثوري، وهو أحد شيوخه، وعبد الله بن المبارك، والحميدي، وآخرون. توفي سنة ١٩٧هـ، انظر صفة الصفوة: ٣/١٧٠- ١٧٢، وسير أعلام النبلاء: ٩/١٤٠- ١٦٨..
٦ - هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، ويكنى أبا يوسف. أكثر عن جده. وروى أيضا عن إسماعيل السدي، وعاصم بن بهدلة... وعنه أخوه. وحجاج الأعور، وعبد الرزاق وغيرهم. توفي سنة: ١٦٢هـ، انظر طبقات ابن سعد: ٦/٣٧٤، وسير أعلام النبلاء: ٧/٣٥٥- ٣٦١..
٧ - هو أبو إسحاق السبيعي، واسمه عمرو بن عبد الله بن علي بن أحمد بن ذي يحمد، روى عن معاوية، وعدي بن حاتم، وابن عباس، والبراء بن عازب... وعنه محمد بن سيرين، والزهري، وقتادة، وحفيده إسرائيل، وآخرون. توفي سنة ١٢٨هـ، انظر طبقات ابن سعد: ٦/٣١٣- ٣١٥، وسير أعلام النبلاء: ٥/٣٩٢- ٤٠١..
٨ - سورة البقرة: ١١٤..
٩ - سورة البقرة: ١٤٢..
١٠ - هو عيسى بن أبي عيسى، أبو جعفر التميمي، واسم أبي عيسى ماهان. أصله من مرو، سكن الري فنسب إليها. سمع عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وقتادة، والربيع بن أنس... وحدث عنه شعبة، وجرير، ووكيع، ويونس بن بكير وغيرهم. انتقل إلى الري ومات بها. قال الحافظ الذهبي، توفي في حدود سنة ١٦٠هـ انظر تاريخ بغداد: ١١/١٤٣- ١٤٧، وسير أعلام النبلاء: ٧/٣٤٦- ٣٤٩..
١١ - أي الذين أوتوا الكتاب..
جهود ابن عبد البر في التفسير
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي