ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

قوله تعالى : ولكلّ وجهة هو موليها . والوجهة قيل فيها :" قِبْلة " ؛ رُوي ذلك عن مجاهد. وقال الحسن :" طريقة " وهو ما شرع الله تعالى من الإسلام. ورُوي عن ابن عباس ومجاهد والسّدي :" لأهل كل ملّة من اليهود والنصارى وجهة ". وقال الحسن :" لكل نبي " فالوجهة واحدة وهي الإسلام وإن اختلفت الأحكام كقوله تعالى : لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً [ المائدة : ٤٨ ] قال قتادة :" هو صلاتهم إلى البيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة ". وقيل فيه : لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق التي جهات الكعبة وراءها أو قدّامها أو عن يمينها أو عن شمالها ؛ كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها بأوْلى أن تكون قبلة من غيرها. وقد رُوي أن عبدالله بن عمر كان جالساً بإزاء الميزاب فتلا قوله تعالى : فلنولينك قبلة ترضاها قال :" هذه القبلة ". فمن الناس من يظنّ أنه عَنَى الميزاب ؛ وليس كذلك، لأنه إنما أشار إلى الكعبة ولم يُرْد به تخصيص جهة الميزاب دون غيرها، وكيف يكون ذلك مع قوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [ البقرة : ١٢٥ ] وقوله تعالى : فولّ وجهك شطر المسجد الحرام مع اتفاق المسلمين على أن سائر جهات الكعبة قبلة لموليها.
وقوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها يدلّ على أن الذي كُلِّفَ به من غاب عن حضرة الكعبة إنما هو التوجه إلى جهتها في غالب ظنه لا إصابة محاذاتها غير زائل عنها، إذْ لا سبيل له إلى ذلك وإذْ غيرُ جائز أن يكون جميع من غاب عن حضرتها محاذياً لها.
وقوله تعالى : فاستبقوا الخيرات يعني والله أعلم المبادرة والمسارعة إلى الطاعات. وهذا يُحْتَجُّ به في أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها ما لم تَقُم الدلالة على فضيلة التأخير، نحو تعجيل الصلوات في أول أوقاتها وتعجيل الزكاة والحجّ وسائر الفروض بعد حضور وقتها ووجود سببها. ويُحْتَجُّ به بأن الأمْرَ على الفَوْرِ، وأن جواز التأخير يحتاج إلى دلالة ؛ وذلك أن الأمْرَ إذا كان غير مؤقت فلا محالة عند الجميع أن فعله على الفور من الخيرات ؛ فوجب بمضمون قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات إيجابُ تعجيله، لأنه أمرٌ يقتضي الوجوب.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير