ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

١٤٨- وقوله تعالى بعد هذا : ولكل وجهة هو موليها |البقرة : ١٤٨|.
قال أبو الحسن١ : يفيد أن لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق وجهة إلى جهات الكعبة، وراءها وقدامها، وعن يمينها وشمالها، كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها أولى بأن تكون قبلة من غيرها. وفيها أقوال غير هذا. وروي أن عبد الله بن عمر قال : إنما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة. وهذا قول لا يصح٢، إلا على تأويل. وقد قال ابن عباس وغيره : بل وجه إلى البيت كله٣. ويحتمل قول ابن عمر على أن من كان يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت من أهل البلاد والأصقاع إنما كانوا من ناحية ميزاب الكعبة، وهي قبلة المدينة والشام وإلى هناك قبلة أهل الأندلس.
وقد اختلف في الصلاة داخل الكعبة فأجازها الشافعي جملة ومنعها ابن جرير جملة، ومنعها مالك في الفرض والسنة وأجازها في النفل.
واختلف المانعون للصلاة فيها هل تجزىء من صلى الفرض فيها صلاته أم لا ؟ فقيل : تجزىء، وقيل : يعيد في الوقت، وقيل : يعيد أبدا، والثلاثة الأقوال في المذهب. ومن حجة من لم يجز شيئا من الصلاة فيها أن المصلى غير مستقبل جميعها، والله تعالى إنما أمر باستقبالها فظاهره الحمل على الجميع، ومن حجة من أجاز أن من استقبل جزءا منها فقد استقبلها. والفرق بين الفرض والسنة وبين النافلة استحسان. وأيضا فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى فيها النافلة، وهو في " الموطأ " ٤ و " البخاري " ٥ و " مسلم " ٦ وإن كان قد ورد أيضا أنه لم يصل فيها. فإذا صح فيها النفل صح الفرض وأجزأ على قول من رآه ولو نقض البيت وعائذا بالله من ذلك لجازت الصلاة إلى جهته خلافا للشافعي لقوله تعالى : فولوا وجوهكم شطره |البقرة : ١٤٤| والاعتبار البقعة دون البيت.
واختلف أيضا في الصلاة فوق الكعبة، فقال أشهب : هو بمنزلة البطن ولا إعادة على من صلى الفرض هناك. وروي عن مالك أنه يعيد من فعل ذلك. ومنعه ابن حبيب في النفل والفرض. وهو عنده بخلاف البطن. قال اللخمي : إنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة ومن صلى عليها لم يصل إليها.
واختلف فيمن غاب عن الكعبة ولزمه الاجتهاد فيها، هل يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة ؟ أو إصابة العين ؟ على قولين. وقول القاضي أبي محمد وأكثر أصحاب مالك أنه يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة، والدليل على ذلك قول الله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية، والشطر النحو والجهة. وهذه المسألة في الاجتهاد لا يمكن أن تتصور بمكة، لأنه يمكن التوصل إلى اليقين فيها. وكذلك في المدينة، لأن قبلة النبي صلى الله عليه وسلم فيها مقطوع بها فلا يصح مخالفتها لأنه صلى الله عليه وسلم نصبها٧. وهذا كالنص منه عليها. وقد روى ابن القاسم عن مالك أن جبريل –عليه السلام- هو الذي أقام٨ للنبي صلى الله عليه وسلم قبلة مسجده. قال أبو الحسن٩ : قوله تعالى : فولوا وجوهكم شطره خطاب لمن كان معاينا للكعبة ولمن كان غائبا عنها. والمراد ممن كان حاضرها١٠ إصابة عينها، ومن غاب عنها فلا يمكنه١١ إصابة عينها. فلا يكلف ما لا يطيق، وإنما سبيله الاجتهاد فهو دليل على استعمال الأدلة، وهو سبيل القياس في الحوادث أيضا ويدل على الأشبه من الحوادث حقيقة مطلوبة بالاجتهاد، ولذلك صح التكليف بطلب١٢ القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة ولو لم يكن هناك قبلة حقيقة لم يصح تكليفنا بطلبها.
١٤٨- قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات |البقرة : ١٤٨|.
يؤخذ منه أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها١٣. ويحتج به من يرى الأمر على الفور، ولا حجة فيه لأنه بعد أمر، وفيه النزاع وفيه الحجة على من يرى الوقف في بعض الأمر، هل هو على الفور أو التراخي ؟ ولاسيما على من يرى التوقف في المبادرة إلى الامتثال |هل هو ممتثل أم لا ؟ |١٤ ومثل هذه الآية : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم |آل عمران : ١٣٣| وقوله : يسارعون في الخيرات |آل عمران : ١١٤|١٥.

١ هو الكيا الهراسي في أحكام القرآن ١/٢١..
٢ يراجع المحرر الوجيز ١/٤٤٤ وتفسير القرطبي ٢/١٥٩..
٣ يراجع المحرر الوجيز ١/٤٤٤ وتفسير القرطبي ٢/١٥٩..
٤ في الحج ١/٥٣٣/١١٨٦- بشار..
٥ في الصلاة ٥٠٥..
٦ في الحج ١٣٢٩..
٧ يراجع أحكام القرآن للجصاص ١/١١١-١١٤..
٨ في ب "نصب"..
٩ هو الكيا الهراسي في أحكام القرآن ١/٢١..
١٠ في ب "بمن كان حاضرا بها"..
١١ في أ "يمكنه"..
١٢ في أ "تكليف طلب"..
١٣ يراجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/٢٢..
١٤ سقطت من أ..
١٥ يراجع الإحكام لابن حزم ٣/٤٥-٥٢. وإحكام الفصول للباجي ص٢١٢-٢١٥ والمستصفى للغزالي ٣/١٧٥..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير