ثم بين كيفية عداوته وفنون شره وإفساده فقال : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء .
تفسير المفردات :
والسوء ما يسوئك وقوعه أو عاقبته، والفحشاء كل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام وهي أقبح وأشد من السوء، ويأمركم أي يوسوس لكم ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع، وأتم في انقيادكم له، كأنكم مأمورون، ألقينا وجدنا.
المعنى جملي :
بعد أن بين في الآية قبلها حال متخذي الأنداد يوم القيامة وذكر ما سيلاقونه من العذاب، وأن الذين اتبعوا سيتبرءون ممن اتبعوهم حين رؤية العذاب، وتقطع الأسباب بينهم، وهي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرءوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض، وقد علمت فيما سلف أن الأنداد قسمان :
قسم يتخذ شارعا يؤخذ رأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغا من الله ورسوله.
قسم يعتمد عليه في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من طريق الأسباب.
بين في هذه الآيات أن تلك الأسباب محرمة، لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان، وأن سبب جمودهم على الباطل والضلال هو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى
الإيضاح :
أي إنما يوسوس الشيطان ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع بأن تفعلوا ما يسوءكم في دنياكم وآخرتكم وأن تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
فالذين يتركون الأسباب الطبيعية التي قضت سنة الله بربط المسببات بها، اعتمادا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظنون أن لهم نصيبا من السلطة الغيبية، والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب – قد ضلوا ضلالا بعيدا واتبعوا أمر الشيطان، ومثلهم من اتخذ رأي الرؤساء حجة في الدين من غير أن يكون بيانا أو تبليغا لما جاء عن الله، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن الله وأهملوا نعمة العقل، واتخذوا من دون الله الأنداد ومن يضلل الله فلا هادي له .
وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع.
ومن هذا زعم الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه، لا يفعل شيئا إلا بوساطتهم، فحولوا قلوب عبادة عنه وعن سننه في خلق، ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ويسمون مثل هذا توسلا : أي تقربا إلى الله تعالى، وحاشى أن يتقبل التقرب إليه بالشرك به، ودعاء غيره معه وهو يقول : فلا تدعوا مع الله أحدا .
ثم سجل عليهم كمال ضلالهم وعدد جناياتهم فقال : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا .
تفسير المراغي
المراغي