ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

باب فرض الجهاد


قال الله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين .
قال أبو بكر : لم تختلف الأمة أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة بقوله : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم وما يُلَقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [ فصلت : ٣٤ و ٣٥ ] وقوله : فاعف عنهم واصفح [ المائدة : ١٣ ] وقوله وجادلهم بالتي هي أحسن [ النحل : ١٢٥ ] وقوله : فإن تولّوا فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ آل عمران : ٢٠ ] وقوله : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً [ الفرقان : ٦٣ ]. ورَوَى عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبدالرحمن بن عوف وأصحاباً له كانت أموالهم بمكة فقالوا : يا رسول الله كنا في عِزّة ونحن مشركون ؛ فلما آمنّا صرنا أذلاّء ! فقال عليه السلام :" إني أمرتُ بالعَفْوِ فلا تُقَاتِلُوا القَوْمَ " فلما حَوَّله إلى المدينة أُمِرُوا بالقتال فكَفّوا، فأنزل الله : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس [ النساء : ٧٧ ]. وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله عز وجل : لست عليهم بمصيطر [ الغاشية : ٢٢ ] وقوله : وما أنت عليهم بجبار [ ق : ٥ ] وقوله : فاعف عنهم واصفح [ المائدة : ١٣ ] وقوله : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله [ الجاثية : ١٤ ] قال : نسخ هذا كله قوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ] وقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ التوبة : ٢٩ ] إلى قوله : صاغرون [ التوبة : ٢٩ ].
وقد اختلف السلف في أول آية نزلت في القتال، فرُوي عن الربيع بن أنس وغيره أن قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أول آية نزلت. ورُوي عن جماعة آخرين، منهم أبو بكر الصديق والزهري وسعيد بن جبير : أن أول آية نزلت في القتال : أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج : ٣٩ ] الآية ؛ وجائز أن يكون وقاتلوا في سبيل الله أول آية نزلت في إباحة قتال من قاتلهم، والثانية في الإذْن في القتال عامّة لمن قاتلهم ومن لم يقاتلهم من المشركين.
وقد اختلف في معنى قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم فقال الربيع ابن أنس :" هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين، ويكفّ عمن كفَّ عنه إلى أن أُمِرَ بقتال الجميع ".
قال أبو بكر : وهو عنده بمنزلة قوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال محمد بن جعفر بن الزبير :" أمر أبو بكر بقتال الشمامسة لأنهم يشهدون القتال وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا، فأمر أبو بكر رضي الله عنه بأن لا يقاتلوا " وقد قال الله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم فكانت الآية على تأويله ثابتة الحكم ليس فيها نسخ، وعلى قول الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا مأمورين بعد نزول الآية بقتال من قاتل دون من كفَّ، سواء كان ممن يتدين بالقتال أو لا يتديّن. ورُوْي عن عمر بن عبدالعزيز في قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أنه في النساء والذرية ومن لم يَنْصُبْ لك الحرب منهم. كأنه ذهب إلى أن المراد به من لم يكن من أهل القتال في الأغلب لضعفه وعجزه، لأن ذلك حال النساء والذرية ؛ وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار شائعة النهي عن قتل النساء والولدان، وروي عنه أيضاً النهي عن قتل أصحاب الصوامع، رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان معنى الآية على ما قال الربيع بن أنس أنه أمر فيها بقتال من قاتل والكفّ عمن لا يقاتل، فإن قوله : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار [ التوبة : ١٢٣ ] ناسخٌ لمن يَلي، وحكم الآية كان باقياً فيمن لا يلينا منهم، ثم لما نزل قوله : واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم إلى قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام فكان ذلك أعمّ من الأول الذي فيه الأمر بقتال من يلينا دون من لا يلينا، إلا أن فيه ضرباً من التخصيص بحظره القتال عند المسجد الحرام إلا على شرط أن يقاتلونا فيه بقوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ثم أنزل الله فرض قتال المشركين كافة بقوله : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ التوبة : ٣٦ ] وقوله : كتب عليكم القتال وهو كره لكم [ البقرة : ٢١٦ ] وقوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ]. فمن الناس من يقول إن قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام منسوخٌ بقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . ومنهم من يقول : هذا الحكم ثابت، لا يقاتل في الحرم إلا من قاتل. ويؤيد ذلك ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة :" إنّ مَكةَ حَرَامٌ حَرَّمَها الله يَوْمَ خَلَقَ السّماوَاتِ والأرْضَ " فإن ترخّص مترخِّصٌ بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فإنما أُحِلّت له ساعة من نهار ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة، فدلّ ذلك على أن حكم الآية باقٍ غير منسوخ، وأنه لا يحل أن نبتدىء فيها بالقتال لمن لم يقاتل. وقد كان القتال محظوراً في الشهر الحرام بقوله : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدّ [ البقرة : ٢١٧ ] ثم نسخ بقوله : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ]. ومن الناس من يقول : هو غير منسوخ والحظر باقٍ.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير