ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

١٩٠ -١٩٢ قوله تعالى :( وقاتلوا في سبيل الله ) إلى قوله ( الشهر الحرام ) |البقرة :١٩٠ -١٩٢|.
اختلفوا(١) في قوله تعالى :( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) هل هو منسوخ أم محكم ؟ فذهبت طائفة إلى أنه منسوخ واختلفوا في الناسخ. فقال الربيع بن أنس، وعبد الرحمان بن زيد : أمر الله المسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت سورة براءة(٢). وقال قتادة(٣) : هي منسوخة بقوله تعالى :( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) |البقرة : ١٩٣| وعنه أيضا أن الناسخ لها ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) |التوبة : ٥| وعن ابن زيد : أن ناسخها :( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) |التوبة : ٣٦| والذين ذهبوا(٤) إلى أنها محكمة، اختلفوا في تأويلها، فذهب ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز(٥) إلى أن معناها، لا تقتلوا المرأة والصبي، والشيخ الكبير، والراهب وشبههم، وذلك إذا لم يقاتلوكم، فالتقدير قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل مثل هؤلاء ممن ليسوا بحالة من يقاتلكم. وهذا التأويل يعضد مذهب مالك وجماعة سواه من أن الشيوخ والرهبان لا يقتلون، إلا أن يكون في إبقائهم ضرر على الإسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والمشورة، فإن قتلهم جائز خلاف ما ذهب إليه الشافعي في أحد قوليه من أنهم يقتلون، وإن لم يكن فيهم ضرر، ولم يختلفوا في النساء والصبيان كاختلافهم في أولئك(٦).
وكذلك اختلفوا في قتل المريض والأعمى، فذهب الشافعي إلى قتلهم والآية على هذا التأويل تعضد مذهب من يرى ألا يقتلوا ويلحق بالآية على هذا من له عهد، ومن أدى الجزية. وذهب ابن عباس أيضا إلى أنها أمر من الله عز وجل بقتال الكفار(٧). وقال أبو الحسن(٨) : ويحتمل أن يقال لم يرد الله عز وجل بقوله :( الذين يقاتلونكم ) حقيقة القتال، لأن مدافعة الرجل عن نفسه لم تكن قط محرمة حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما أراد : الذين يرون قتالكم ويعتقدونه دينا وشرعا. وروي عن أبي بكر –رضي الله عنه- أنه أمر بقتل الشمامسة لأنهم يشهدون(٩) القتال، ويرون ذلك وهم الذين فحصوا على أوساط رؤوسهم، وأمر ألا يقتل الرهبان لأنهم يرون أن لا يقاتلوا. وقال مجاهد : الآية محكمة، ولا يحل لأحد أن يقاتل أحدا حتى يبدأه بالقتال كذا حكى المهدوي(١٠). وفيه نظر. وقيل الآية نزلت في صلح الحديبية حين صده المشركون عن البيت، وصالحهم على أن يرجع في العام المقبل، ويخلو له البيت ثلاثة أيام، فلما رجع إلى عمرة القضاء خاف أصحابه صلى الله عليه وسلم ألا يفي المشركون ويصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم في الشهر الحرام وكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتلوهم في الحرم وفي الأشهر الحرم. فنزلت الآية(١١) فتكون على هذا في أمر مخصوص فلا يدخلها نسخ على ذلك.
١٩٠- وقوله تعالى :( ولا تعتدوا ) |البقرة : ١٩٠|.
عام في النهي عن أنواع(١٢) العدوان، إلا أن أهل العلم بالتفسير اختلفوا في تأويله، فقيل : المعنى ولا تعتدوا في قتال(١٣) من لم يقاتلكم.
وقيل لا تعتدوا في قتال المرأة والصبي ونحوهما. وقيل : لا تعتدوا بالابتداء بالقتال في الشهر الحرام. وذهب قوم إلى أن المعنى ولا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية، وكسب الذكر(١٤).
ولا خلاف أن القتال كان ممنوعا في أول الإسلام بقوله تعالى :( ادفع بالتي هي أحسن ) |المؤمنون : ٩٦| وبقوله :( فاعف عنهم واصفح ) |المائدة : ١٣| وبقوله ( ولا تجادلوا أهل الكتاب ) |العنكبوت : ٤٦| وبقوله :( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) |الفرقان : ٢٣| وبقوله :( لست عليهم بمصيطر ٢٢ ) |الغاشية : ٢٢| وبقوله :( يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) |الجاثية : ١٤|. ونحو ذلك. قال ابن عباس(١٥)، ثم نسخ ذلك كله قوله تعالى :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) |التوبة : ٥| وقوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) |التوبة : ٢٩| واختلفوا في أول آية نزلت في ذلك في القتال. فقال الربيع بن أنس وغيره(١٦) قوله تعالى :( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) |البقرة : ١٩٠| وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في ذلك قوله تعالى :( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) |الحج : ٣٩|(١٧).

١ في ب "اختلف فيها هل هي منسوخة أو محكمة، فذهبت طائفة إلى النسخ".
٢ روى قوليهما الطبري في تفسيره (٢/٢٥٠)..
٣ ذكر قوله ابن عطية في المحرر الوجيز (١/٥٣٥)..
٤ في ب "والذاهبون"..
٥ يراجع في هذا المحرر الوجيز (١/٥٣٣) وتفسير الطبري (٢/٢٥٠، ٢٥١).
.

٦ تراجع أقوال الفقهاء في هذا في المدونة (٢/٦، ٧) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٣٣، ٩٣٤) وأحكام القرآن للجصاص (١/٣٢٠، ٣٢١) وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/٩٧ -٨١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/١٠١ -١٠٤) وتفسير القرطبي (٢/٣٤٨- ٣٥٠)..
٧ يراجع الطبري في تفسيره (٢/٢٥١)..
٨ في أحكام القرآن (١/٨٠ و٨٢)..
٩ في ب "يحضرون".
١٠ يراجع المحرر الوجيز (١/٥٣٥) وأحكام القرآن للجصاص (١/٣٢١، ٣٢٢) وتفسير الطبري (٢/٢٥٤)..
١١ روى هذا الواحدي في أسباب النزول (ص ٣٢) وضعف ابن حجر سند هذه الرواية في العجاب (ص ٢٧٨)..
١٢ في ب "فعل"..
١٣ في ب "بقتال"..
١٤ يراجع كلام الكيا الهراسي في أحكام القرآن (١/٨٦) وابن عطية في المحرر الوجيز (١/٥٣٣)..
١٥ يراجع تفسير الطبري (٢/٢٥٠، ٢٥١)..
١٦ يراجع تفسير الطبري (٢/٢٥٠، ٢٥١)..
١٧ رواه العجاب في تفسير (٩/١٦١، ١٦٢ – ط دار الكتب العلمية بيروت) ويراجع العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٢٧٨ -٢٨٠)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير