قال الله عز وجل : وَقَاتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلونكم [ ١٩٠ ] الآية. .
ولا خلاف بين العلماء في أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة بقوله : ادْفَعْ بالّتي هيَ أَحْسَنُ١ إلى قوله : ذُو حَظٍ عَظِيم وقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ٢ وقوله : وجَادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ٣ ، وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ٤ الآية. . ، وَإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَاً٥ . وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحاباً له كانت أموالهم بمكة، فقالوا : يا رسول الله، كنا في عز ومنعة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال :" إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم " فلما حوله إلى المدينة انكفوا، فأنزل الله تعالى : ألَمْ تًَرَ إلىَ الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيْدِيَكُمُ وأقيموا الصَّلاَةَ الآية٦. .
وعن ابن عباس في قوله تعالى : لَسْتُ عَلَيْهِمْ بمُسَيْطِرْ ٧ وقوله : وَمَا أنْتَ عَلَيْهِمْ بجَبّارٍ٨ ، وقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ٩ ، وقوله : قُلْ للذّينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا للّذِيِنَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ ١٠ قال : نسخ هذا كله قوله تعالى : فَاقْتُلوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ١١ ، وقوله : قَاتِلُو الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِر ١٢. . الآية. .
واختلف السلف في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع ابن أنس وغيره أن قوله تعالى : وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ أول آية نزلت في القتال، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أول آية نزلت في القتال قوله تعالى : أُذِنَ للّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأنّهُمْ ظُلِمُوا الآية١٣. . وقال آخرون : قوله تعالى : وقاتِلُوا في سبيلِ اللهِ أول آية نزلت في إباحة قتال من قاتلهم، والثانية نزلت في الإذن بالقتال عامة لمن قاتلهم، ومن لم يقاتلهم من المشركين١٤، فقال الربيع بن أنس : أول آية نزلت في الإذن بالقتال في المدينة قوله تعالى : وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ، فكان النبي عليه السلام بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف عنه إلى أن أمر بقتال الجميع، وهو مثل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ١٥ . .
ويحتمل أن يقال إن قوله : الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ لم يرد به حقيقة القتال، فإن جواز دفع المقاتل عن نفسه ما كان محرماً قط، حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما المراد به الذين يقاتلونكم ديناً ويرون ذلك جائزاً اعتقاداً، ولم يرد به حقيقة القتال. وقال آخرون : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلح الحديبية إلى المدينة حين صده المشركون عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، فلما كان في العام القابل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن البيت ويقاتلونهم، وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى : وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ١٦ يعني قريشاً الذين صالحوهم، وَلاَ تَعْتَدُوا فنبذوا في الحرم بالقتال، ودل عليه ظاهر ما بعده قوله : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ وَالْفِتَنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ١٧ يعني أن شركهم بالله عز وجل أعظم من قتلكم إياهم في الحرم، والذي كان منهم من تعذيب من أسلم وظفروا به ليفتنوهم عن الدين، أعظم من قتالكم إياهم في الشهر الحرام.
وقال : وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ١٨ : معناه : حتى لا يكون الشرك الذي هو باعث على الفتنة ويكون الدين كله لله، ولذلك لم يقبل العلماء الجزية من وثنيي العرب، فإن الله تعالى قال في حقهم : وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلّه للهِ١٩ ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى لا يكون الشرك ويكون الدين كله لله٢٠.
وروي عن أبي بكر أنه أمر بقتال الشماسنة لأنهم يشهدون القتال ويرون ذلك رأياً، وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا، فأمر أبو بكر أن لا يقتلوا، ثم قال : قد قال الله سبحانه : وَقَاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتلُونَكُمْ٢١ . . وحمل ذلك أبو بكر رضي الله عنه على المقاتلة ديناً واعتقاداً، فالآية على هذا ثابتة الحكم لا نسخ فيها.
وعلى قول الربيع بن أنس، أن النبي عليه السلام والمسلمين كانوا مأمورين - بعد نزول الآية - بقتال من قاتل دون من كف عنهم سواء كان ممن يتدين بالقتال أو لا يتدين٢٢ وليس بصحيح.
وروي عن عمر بن عبد العزيز في قوله : الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ قال : ذلك في النساء والذرية، فعلى هذا لا نسخ في الآية، ويحتمل أن يقال : إن قوله تعالى : وَاْقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ٢٣ : عام في الرجال والنساء والصبيان، وهم يقتلون إذا كانت المصلحة في قتلهم، على ما عرف من مذهب الشافعي رحمه الله فيه.
وإذا كانت المرأة مقاتلة بالمال والرأي والتدبير، وكانت ذات عز في قومها فيجب قتلها، وإذا كانت المصلحة في استرقاقها فنفع الاسترقاق إذا أوفى على قتلها فلا يجوز قتلها. .
قوله تعالى : والفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ : يعني كفرهم وتعذيبهم للمؤمنين في البلد الحرام والشهر الحرام أعظم مأثماً من القتل في الشهر الحرام٢٤، وأنه إذا كان يتوقع منهم مثل ذلك وجب قتلهم في البلد الحرام وفي الشهر الحرام، وكذلك معنى قوله : وَقَاتِلوهم حَتىّ لاَ تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ للهِ فعلل القتال والقتل بهذا المعنى، وهذا يستوي فيه الحرم وغيره والشهر الحرام وغيره.
وكذلك قاله الربيع بن أنس فإنه قال : قوله تعالى : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ منسوخ بقوله تعالى : وَقَاتِلُوهُم حَتّى لاَ تَكُون فِتْنَةٌ ،
وقال قتادة : هو منسوخ بقوله : اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم ، وقد نزل قوله تعالى : اقتُلوا المُشْركينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ٢٥ في سورة براءة ( التوبة ) بعد سورة البقرة، والذي كان من خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وقوله فيها :" إن الله تعالى حرم مكة " الحديث٢٦ نسخه ما بعده، وسورة براءة فإنها نزلت بعد ذلك بمدة٢٧.
وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع : الفتنة في قوله : وقاتِلوهم حَتّى لاَ تكون فِتْنَةٌ : الشرك بالله، وقيل : إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي إليه الفتنة. .
٢ - سورة المائدة، آية ١٣..
٣ - سورة النحل، آية ١٢٥..
٤ - سورة العنكبوت، آية ٤٦..
٥ - سورة الفرقان، آية ٦٣..
٦ - سورة النساء، آية ٧٧ أما سبب النزول هذا فرواه ابن أبي حاتم والنسائي والحاكم..
٧ - سورة الغاشية، آية ٢٢..
٨ - سورة ق، آية ٤٥..
٩ - سورة المائدة، آية ١٣..
١٠ - سورة الجاثية، آية ١٤..
١١ - سورة التوبة، آية ٥..
١٢ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١٣ - سورة الحج، آية ٣٩..
١٤ - في الجصاص: وقد اختلف في معنى قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) فقال الربيع.. الخ..
١٥ - سورة البقرة، آية ١٩٤..
١٦ - كما ذكر القرطبي ج٢ ص٣٢٦، زاد المسير ج١ ص١٩٧، الدر المنشور ج١ ص٢٠١، الفخر الرازي ج٥ ص١٤٠، مجمع البيان ج٢ ص٢٨٤..
١٧ - سورة البقرة، آية ١٩١..
١٨ - سورة البقرة، آية ١٩٣..
١٩ - سورة الأنفال، آية ٣٩..
٢٠ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، سورة البقرة..
٢١ - سورة البقرة، آية١٩٠..
٢٢ - الأولى أم لا يتدين..
٢٣ - سورة النساء، آية ٨٦..
٢٤ - انظر تفسير القاسمي ج٣ ص٤٧٥، والفخر الرازي ج٥ ص١٤٢..
٢٥ - سورة التوبة، آية ٥..
٢٦ - الحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ولفظه: عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة"..
٢٧ - انظر الشيخ الصابوني تفسير آيات الأحكام ج١ ص٢٣١..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي