أحكام الجهاد(١)
ذكر الله تعالى في آية البر أن من أعلى أوصاف أهل البر، [ و الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس... ١٧٧ ]( البقرة )، والجهاد هو البأس الذي يوجب الصبر ولذا قال تعالى :
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( ١٩٠ )
قوله تعالى :[ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ]. فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى :[ و قاتلوا ]هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله :[ ادفع بالتي هي أحسن... ٩٦ ] ( المؤمنون )، وقوله :[ فاعف عنهم واصفح... ١٣ ]( المائدة )، وقوله [ واهجرهم هجرا جميلا ١٠ ]( المزمل )، وقوله :[ لست عليهم بمسيطر٢٢ ]( الغاشية )، وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل :[ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ] قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال [ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا... ٣٩ ]( الحج ). والأول أظهر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن يقاتل من المشركين. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فلما نزل الحديبية بقرب مكة –و الحديبية اسم بئر، فسمى ذلك الموضع باسم تلك البئر – فصده المشركون عن البيت، وأقام بالحديبية شهرا، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال عشر سنين ورجع إلى المدينة، فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، أي يحل لكم القتال لمن قاتلوكم من الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهرها، فكان صلى الله عليه وسلم قاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزل :[ فاقتلوا المشركين... ٥ ]( التوبة ) فنسخت هذه الآية، قاله جماعة من العلماء. وقال ابن زيد والربيع : نسخها [ و قاتلوا المشركين كافة... ٣٦ ] ( التوبة ) فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عباس وعمر بن عبد ا لعزيز ومجاهد : هي محكمة، أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وما شابههم على ما يأتي بيانه. قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القوانين في السنة والنظر، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. رواه الأئمة (٢). وأما النظر فإن "فاعل" لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية. أخرجه مالك وغيره. وللعلماء فيهم صور ست :
١- النساء إن قاتلن قتلن، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها، لعموم قوله :[ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ]و [ اقتلوهم حيث ثقفتموهم ]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال.
٢- الصبيان فلا يقتلون، للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم، فإن قاتل قتل.
٣- الرهبان لا يقتلون ولايسترقون، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموال، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا. ولو ترهبت المرأة، فروى أشهب أنها لا تهاج – أي لا تزعج ولا تنفر – وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي :" والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله :" فذرهم وما حبسوا أنفسهم له ".
٤- الزمني (٣)، قال سحنون : يقتلون. وقال ابن حبيب، لا يقتلون. و الصحيح أن تعتبر أحوالهم، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة.
٥- الشيوخ، قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون. والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشافعي قولان : أحدهما – مثل قول الجماعة. والثاني – يقتل هو والراهب. والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع. وأيضا أنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة. فأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال، فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية.
٦- العسفاء، وهم الأجراء والفلاحون، فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون، وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية. والأول أصح، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث رباح بن الربيع :" الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسفا "(٤)و قال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرثا، ذكره ابن المنذر.
الثانية : روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله :[ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ] أهل الحديبية أمروا بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين، أمر كل واحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بينها في سورة "براءة" بقوله :[ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار... ١٢٣ ] ( التوبة ) وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم، فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باق متماد إلى يوم القيامة، ممتد إلى غاية هي قوله صلى الله عليه وسلم :" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم "(٥) وقيل : غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله، لأن نزوله من أشراط الساعة.
و قوله تعالى :[ و لا تعتدوا ]قيل في تأويله ما قدمناه، فهي محكمة. فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أسر الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم. يعني دينا وإظهارا للكلمة. وقيل : لا تعتدوا، أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم.
٢ عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال : وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. (متفق عليه أخرجه البخاري وهذا لفظه : كتاب الجهاد والسير – قتل النساء في الحرب (٢٧٩٢)، ومسلم (٣٢٨٠) كما روه الترمذي وابن ماجة ومالك والدارمى، وأحمد..
٣ جمع زمن، وهو من به آفة من عرج أو عمى أو مرض شديد..
٤ جامع الأحاديث والمراسيل (٤١٣٠). ورواه أبو داود : قتل النساء (٢٢٩٥) عن رباح بن ربيع بلفظ : قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شئ فبعث رجلا فقال : انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء فقال : على امرأة قتيل فقال : ما كانت هذه لتقاتل قال : وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال : قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا " ورواه ابن ماجه : الجهاد –قتل النساء والصبيان (٢٨٣٢) بنحوه عنه قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس فأفرجوا له فقال :" ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل ". ثم قال لرجل :" انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك يقول لا تقتلن ذرية ولا عسيفا " وبنحوه رواه أحمد : مسند المكيين (١٥٤٢٣) والذرية الأطفال والصبيان، قلت : والعسيف الأجير. ومثله العسف، غير أن الأولى على صيغة المبالغة (فعيل) والثانية على صيغة المبالغة (فعل)..
٥ متفق عليه، رواه – بهذا اللفظ عن عروة البار قي – البخاري: كتاب الجهاد والسير – الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع البر والفاجر (٢٦٤٠)، ومسلم: كتاب الإمارة – الخيل في نواصيها الخير (٣٤٨٠). ورواه الترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد، إما مثله أو نحوه..
زهرة التفاسير
أبو زهرة