وأنفقوا في سبيل الله أي : طاعته سواء الجهاد وغيره ولا تلقوا بأيديكم أي : بأنفسكم، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى : فبما كسبت أيديكم ( الشورى، ٣٠ ) أي : بما كسبتم والباء زائدة إلى التهلكة أي : الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها، حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدوّ.
روي أنّ رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس : ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري : نحن أعلم بهذه الآية، وإنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه، وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهلنا وأولادنا وأموالنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها رجعنا إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية، فتوفي هناك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به.
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني : الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله، تعالى قال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب فيقول : قد هلكت ليست لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك كما قال تعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ( يوسف، ٨٧ ) وأحسنوا أي : بالنفقة وغيرها إنّ الله يحب المحسنين أي : يثيبهم.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني