ثم أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر بالجهاد بالأنفس فقال : وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ .
تفسير المفردات :
سبيل الله : هي طريق الخير والبر المؤدي إلى إعزاز دينه كجهاد الأعداء وصلة الأرحام، والتهلكة : الهلاك والمراد به هنا الإمساك عن النفقة في الاستعداد للقتال وترك الجهاد.
المعنى الجملي :
خرج المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية، فصدهم المشركون وقاتلوهم بالسهام والحجارة في شهر ذي القعدة سنة ست، ثم صالحوهم على أن يرجعوا إلى مكة العام القابل، ولما خرجوا في ذلك العام لعمرة القضاء كرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، فبين الله لهم أن المحظور في الأشهر الحرام هو العدوان بالقتال لا المدافعة عن النفس، وأن المشركين بإصرارهم على الفتنة وإيذائهم للمؤمنين فعلوا ما هو أشد قبحا من القتل بتأييدهم للشرك ومنعهم للحق
الإيضاح :
أي وابذلوا المال في وسائل الدفاع عن بيضة الدين، فاشتروا السلاح والكراع وعدد الحرب التي لعدوكم مثلها إن لم تزيدوا عليه حتى لا يكون له الغلب عليكم، وإلى هذا أشار بقوله :
وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي إنكم إن لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال وإعداد للعدة فقد أهلكتم أنفسكم.
روي أن أبا أيوب الأنصاري قال : فينا معشر الأنصار نزلت هذه الآية، إنه لما أعز الله دينه، ونصر رسوله همس بعضنا في أذن بعض، إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه ما يرد علينا ما قلنا ( وأنفقوا ) الآية فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الغزو، رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم في جماعة آخرين.
والخلاصة – إن المشركين كانوا بالمرصاد للمؤمنين، وهم من الكثرة بحيث يخشى شرهم، فلو انصرف المؤمنون عن الاستعداد للجهاد إلى تثمير الأموال لأوقعوا بهم، فيكونون حينئذ قد ألقوا بأيديهم إلى التهلكة.
وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي وأحسنوا كل أعمالكم وجودوها ولا تهملوا إتقان شيء منها، ويدخل ذلك التطوع بالإنفاق في سبيل الله لنشر دعوة الدين وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الصدر الأول كان دفاعا عن الحق وأهله وحماية دعوة الدين، فكانوا يبدءون أولا بالدعوة بالحجة والبرهان، فإذا منعوا بالقوة وهدد الداعي أو قتل قاتلوا حماية للدعاة ونشرا للدعوة، لا للإكراه على الدخول في الدين، إذ ذاك منهي عنه بنحو قوله تعالى : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين .
فإذا لم يوجد من يصد الدعوة أو يهدد االدعاة ويعتدي على المؤمنين، فلا يفرض علينا الجهاد لسفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولا للطمع في الغنائم والأنفال.
وجملة القول : إن القتال شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان.
ولم يشهد التاريخ أمة قوية رحيمة بالضعفاء في فتوحها كالأمة العربية، كما اعترف بذلك المنصفون من الإفرنج، فقد قال جوستاف لوبون الفيلسوف الفرنسي : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، وما يتجنى به أعداء الإسلام من دعواهم أن الإسلام قام بالسيف، فقول يكذبه التاريخ ولا يؤيده من ينظر إلى الأمور بعين الإنصاف ويدع الهوى وراءه ظهريا.
تفسير المراغي
المراغي