والموضوع الرئيسي في هذا الربع من سورة البقرة يكاد ينحصر في إعادة تنظيم فريضة الحج، وإرجاعها إلى أصلها الأصيل، حسبما كانت عليه في ملة إبراهيم الخليل، بغية تخليصها من جميع شوائب الشرك، وتطهيرها تطهيرا تاما من تقاليد الجاهلية ونزغاتها وشعاراتها الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ . - وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أَفَضتُم مِّن عَرَفَاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَراَمِ، واذكُرُوهُ كَماَ هَداكُم وَإن كُنتُم مَّن قَبلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَاستَغفِرُوا اللهَ، إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، فَإِذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُم فاذكُرُوا اللهَ كَذِكرِكُمُ آبَاءَكُمُ أَوَ أَشَدَّ ذِكْراً .
ولا بد لنا من أن نقف وقفة خاصة عند قوله تعالى في هذا الربع وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلقُوا بِأَيديكُمُ إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنُوا، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ( ١٩٥ ) .
روى الإمام البخاري في الصحيح بسنده عن حذيفة قال : نزلت هذه الآية في النفقة ( أي في الحض عليها، وعدم قبض اليد عنها ).
وروى النسائي وأبو داود والترمذي عن أسلم مولى عمران التجيبي قال : حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس : ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب : إنكم لتتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلقُوا بِأَيديكُمُ إِلَى التَّهلُكَةِ .
وكانت التهلكة هي الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دهن بأرض الروم. قال الترمذي :" هذا الحديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم : هذا الحديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وإذن، فالهلاك الذي هو معنى التهلكة إنما يكون في الواقع إذا اقتصر المسلمون على خدمة مصالحهم المادية، وانهمكوا في ترضية شهواتهم الشخصية، وتركوا حماهم مستباحا دون قوة و لا قدرة على الدفاع عن أنفسهم، فيستولي عليهم العدو دون تعب كبير.
كما أن هلاك المسلمين يكون نتيجة للشح والبخل، على عكس ما يتوقعه بعض ضعفاء الإيمان، من أن الإنفاق والبذل في سبيل الله هما اللذان يؤديان إلى الضياع والخسران، إذ إنه عندما تنقبض الأيدي عن البذل في وجوه البر والخير ينقلب المجتمع إلى مجتمع بائس عاجز ضعيف منقسم على نفسه، بل ينقلب إلى مجتمع مشلول الحركة عديم النفع من جميع الوجوه وَأَحسِنُوا، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ( ١٩٥ ) .
والموضوع الرئيسي في هذا الربع من سورة البقرة يكاد ينحصر في إعادة تنظيم فريضة الحج، وإرجاعها إلى أصلها الأصيل، حسبما كانت عليه في ملة إبراهيم الخليل، بغية تخليصها من جميع شوائب الشرك، وتطهيرها تطهيرا تاما من تقاليد الجاهلية ونزغاتها وشعاراتها الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ . - وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أَفَضتُم مِّن عَرَفَاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَراَمِ، واذكُرُوهُ كَماَ هَداكُم وَإن كُنتُم مَّن قَبلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَاستَغفِرُوا اللهَ، إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، فَإِذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُم فاذكُرُوا اللهَ كَذِكرِكُمُ آبَاءَكُمُ أَوَ أَشَدَّ ذِكْراً .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري