ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

قوله - عز وجل:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الآية (١٩٥) - سورة البقرة.
الهلاك انتهاء الشيء في الفساد، وله سمي الموت هلاكا، وقيل للعذاب والخوف في الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك، وامرأة هلوك كأنها تتهالك في مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر:
مريضات أدبات التهادي كأنما....
تخاف على أحشائها أن تقطعا
[وكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها] والهالكي كان رجلاً حدادا من قبيلة هالك فسعت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا، وقوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ، قيل: معناه نحو تعلقت زيدا أو بزيد، وقيل معناه: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، نحو قوله: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، وذلك بالتعرض لما يستوخم عاقبته جهلا به، مثل الفراشة تأتي إذا رأت لهبا من السراج، فتلقي نفسها فيه، وتأولت الآية على وجهين بنظرين مختلفين..
أحدهما: أنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام، والثاني: أنه نهي عن البخل بالمال، والقعود عن الجهاد، وكلا المعنيين يراد بها، فالإنسان كما أنه منهي عن الإسراف في

صفحة رقم 410

[الإنفاق] والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل وعن الإحجام في الجهاد، ولهذا قال تعالى:
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وقال: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ الآية، وقال بعض الناس: " إن هذه الآية ينظر إليها علي وجهين " أحديهما: نظر المجاهد في سبيل الله بالمال، والثاني: نظر الفقيه عن المجاهد، وكلاهما صحيح بوجه، ووجه ذلك أن الفقيه من حيث أنه يحكم بالظاهر على الكافة يراعي أحوالهم، والمجاهد من حيث أنه يوفر على مراعاة الحق عن مراعاة نفسه لا يرى الإلقاء بيده إلى التهلكة إلى التهلكة إلا الإحلال بترك وظائف الحق، وإلى هذه الحالة أشار الله تعالى بقوله:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، الآية، وبقوله: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، أي تحروا فعل الإحسان وقد تقدم أن الإحسان هو تحري العدالة والزيادة عليها، ولهذا قال:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، ثم نبه بإظهار محبته للمحسنين على شرف منزلتهم.

صفحة رقم 411

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية