ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

" يكاد " مضارع " كاد "، وهي لمقاربة الفعل، تعمل عمل " كان " إلا أن خبرها لا يكون مضارعا، وشذ مجيئه اسما صريحا ؛ قال [ الطويل ]

فأُبتَ إلى فهمٍ وما كدت آيباً وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ٣١
والأكثر في خبرها تجرّده من " أن "، عكس " عسى "، وقد شذّ اقترانه بها ؛ قال رؤبة :[ الرجز ].
قد كاد من طول البِلى أن يمحَصَا٣٢
لأنها لمقاربة الفعل، و " أن " تخلص للاستقبال، فتنافيا.
واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفي في المعنى، لأنها للمقاربة.
فإذا٣٣ قلت :" كاد زيد يفعل " كان معناه : قارب الفعل إلا أنه لم يفعل، فإذا نُفيت، انتفى خبرها بطريق الأولى ؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى ؛ ولهذا كان قوله تعالى : لم يكد يراها [ النور : ٤٠ ] أبلغ من أن لو قيل : لم يرها، لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها ؟
وزعم جماعة منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي ؛ حتى ألغز بعضهم فيها ؛ فقال :[ الطويل ]
أنحويّ هذا العصر ما هلي لفظة *** جرت في لساني جرهم وثمود
إذا نفيت -والله أعلم- أُثبتت وإن أُثبتت قامت مقام جحود٣٤
وحكوا عن ذي الرمة أنه لما أنشد قوله :[ الطويل ]
إذا غير النّأي المحبّين لم يكد رسيسُ الهوى من حب مَيّة يبرحُ٣٥
عيب عليه ؛ لأنه قال :" لم يكد يبرح "، فيكون قد برح، فغيره إلى قوله :" لم يزل "، أو ما هو بمعناه.
والذي غر هؤلاء قوله تعالى : فذبحوها وما كادوا يفعلون [ البقرة : ٧١ ] قالوا :" فهي هنا منفية "، وخبرها مثبت في المعنى ؛ لأن الذبح وقع لقوله :" فذبحوها "، والجواب عن هذه الآية من وجهين :
أحدهما : أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي : ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر.
والثاني : أنه عبر بنفي مقاربة الفعل عن شدة تعنّتهم، وعسرهم في الفعل.
وأما ما حكوه عن ذي الرمة، فقد غلّط الجمهور ذا الرمة في رجوعه عن قوله الأول، وقالوا :" هو أبلغ وأحسن مما [ غيره إليه ]٣٦ ".
واعلم أن خبر " كاد " وأخواتها - غير " عسى " – لا يكون فاعله إلا ضميرا عائدا على اسمها ؛ لأنها للمقاربة أو للشروع، بخلاف " عسى "، فإنها للترجي ؛ تقول :" عسي زيد أن يقوم أبوه "، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأما قوله :[ الطويل ]
وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِميَّةَ نَاقَتِي فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ
وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ٣٧
فأتى بالفاعل ظاهراً، فقد حمله بعضهم على الشُّذُوذ، وينبغي أن يقال : إنما جاز ذلك ؛ لأن الأحجار والملاعب هي عبارة عن الرَّبْعِ، فهي هو، فكأنه قيل : حتَّى كادَ يكلِّمُني ؛ ولكنه عبّر [ عنه ]٣٨ بمجموع أجزائه.
وأما قول الآخَرِ :[ البسيط ]
وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُني ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ
وكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً فَصِرْتُ أَمْشي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرِ٣٩
فأتى [ بفاعل ]٤٠ [ خبر ]٤١ جعل ظاهراً، فقد أجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أنه على حذْف مضاف، تقديره : وقد جعل ثوبي إذا ما قمت يثقلني.
والثاني : أنه من باب٤٢ إقامة السَّبب مقام المُسَبَّبِ، فإن نهوضه كذا متسبَّب عن إثقال ثوبه إيَّاه، والمعنى : وقد جعلت أنهض نَهْضَ الشارب الثَّمل لإثقال ثوبي إيَّاي.
ووزن " كَادَ كَوِد " بكسر العين، وهي من ذوات الواو ؛ ك " خَافَ " يَخَافُ، وفيها لغةٌ أخرَى : فتح عينها، فعلى هذه اللُّغة تضم فاؤها إذا أسندت إلى تاء المتكلّم وأخواتها، فتقول :" كُدْتُ، وكُدْنَا " ؛ مثل : قُلْتُ، وقُلْنَا، وقد تنقل كسر عينها إلى فائها مع الإسناد إلى ظاهر، كقوله :[ الطويل ]
وَكِيدَ ضِبَاعُ القُفِّ يَأْكُلْنَ جُثَّتي وَكِيدَ خِرَاشٌ عِنْدَ ذَلِكَ يَيْتَمُ٤٣
ولا يجوز زيادتها خلافاً [ للأخفش ]٤٤، وسيأتي إن شاء الله هذا كله في " كاد " الناقصة.
أمّا " كاد " التامة بمعنى " مَكَرَ " فوزنها فَعَل بفتح العَيْن من ذوات " الياء " ؛ بدليل قوله : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ [ الطارق : ١٥، ١٦ ].
و " البرق " اسمها، و " يخطف " خبرها ويقال : خَطِفَ يَخْطَفُ [ بكسر عين الماضي، وفتح المضارع، وخطَفَ يَخْطِفُ ]٤٥ عكس اللغة الأولى وفيه تراكيب كثيرة، والمشهور منها الأولى.
الثانية : يخطِف بكسر الطاء، قرأها مجاهد٤٦.
الثالثة : عن الحسن بفتح " الياء والخاء والطاء "، مع تشديد " الطاء "، والأصل :" يَخْتَطِفُ "، فأبدلت " تاء " الافتعال " طاء " للإدغام.
الرابعة : كذلك، إلاّ أنه بكسر٤٧ الطاء على [ أنه ]٤٨ أصل التقاء السَّاكنين.
الخامسة : كذلك، إلا أنه بكسر " الخاء " إتباعاً لكسرة الطاء.
السَّادسة : كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء.
السابعة :" يختطف " على الأصْل.
الثامنة : يَخْطِّف بفتح الياء، وسكون الخاء، وتشديد الطاء [ وهي رديئة لتأديتها إلى التقاء ساكنين.
التاسعة : بضمّ الياء، وفتح الخاء، وتشديد الطاء ]٤٩ مكسورة، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية.
العاشرة :" يَتَخَطَّفُ " عن أُبَيّ من قوله : وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : ٦٧ ].
و " الخَطْف " : أخذ شيء بسرعة، وهذه الجملة - أعني قوله :" يَكَادُ البرق يخطف " لا محلّ لها، لأنه استئناف كأنه قيل : كيف يكون حالهم مع ذلك البرق ؟ فقيل : يكاد يخطف، ويحتمل أن تكون في محلّ جر صفة ل " ذوي " المحذوفة : التقدير : كذوي صيِّب كائدٍ البرق يخطف.
قوله : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ .
" كُلَّ " نصب على الظرف ؛ لأنها أضيفت إلى " ما " الظرفية، والعامل فيها جوابها، وهو " مشوا ".
وقيل :" ما " نكرة موصوفة ومعناها الوقت أيضاً، والعائد محذوف تقديره : كل وقت أضاء لهم فيه، ف " أضاء " على الأول لا مَحَلّ له ؛ لكونه صلةً، ومحلّه الجر على الثاني.
و " أضاء " يجوز أن يكون لازماً.
وقال المُبَرِّدُ :" هو متعدّ، ومفعوله محذوف أي : أضاء لهم البَرْقُ الطريق " ف " الهاء " في " فيه " تعود على البَرْقِ في قول الجمهور، وعلى الطَّريق المحذوف في قول المُبَرّد.
و " فيه " متعلّق ب " مشوا "، و " في " على بابها أي : إنه محيط بهم.
وقيل : بمعنى الباء، ولا بد من حذفٍ على القولين : أي : مشوا في ضوئه : أي بضوئه، ولا محل لجملة قوله :" مشوا " ؛ لأنها مستأنفة، كأنه جواب لمن يقول : كيف يمضون٥٠ في حالتي ظهور البرق وخفائه ؟
والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصَّيِّب، وما هم فيه من غاية التحيُّر والجهل بما يأتون، وما يذرون.
واعلم أن " كلّ " من ألفاظ العموم٥١، وهو اسم جمع لازم للإضافة، وقد يحذف ما يُضَاف إليه، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض، أو تنوين صرفٍ ؟ قولان :
والمضاف إليه " كل " إن كان معرفة وحذف، بقيت على تعريفها، فلهذا انتصب٥٢ عنها الحال، ولا يدخلها الألف واللام، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم، وربما انتصب حالاً، وأصلها أن تستعمل توكيداً ك " أجمع "، والأحسن استعمالها مبتدأ، وليس كونها مفعولاً بها مقصوراً على السماع، ولا مختصّاً بالشعر، خلافاً لزاعم ذلك.
وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العواملة اللفظية، وإذا أضيفت إلى نكرة تعين اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره، تقول :" كل رجال أَتَوْكَ، فأكرمهم "، ولا يجوز أن تراعي لفظ " كل " فتقول :" كلُّ رجالٍ أتاكَ، فأكْرِمه "، و " كلُّ رجلٍ أتاكَ، فأكْرِمه " ولا تقول " كلُّ رجلٍ أتَوْك، فأكْرِمْهم " ؛ اعتباراً بالمعنى، فأما قوله :[ الكامل ]
جَادَتْ عَلَيْه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ٥٣
فراعى المعنى، فهو شاذّ لا يقاس عليه.
وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان، سواء كانت بالإضافة لفظاً ؛ نحو : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [ مريم : ٩٥ ] فراعَى لفظ " كُل ".
أو معنى نحو : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ [ العنكبوت : ٤٠ ] فراعى لفظها، وقال : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [ النمل : ٨٧ ] فراعى المعنى.
وقول بعضهم :" إن كلما " تفيد التكرار " ليس ذلك من وضعها، وإنما استفيد من العموم التي دلّت عليه.
فإنك إذا قلت :" كلما جئتني أكرمتك " كان المعنى أكرمك٥٤ في كل فرد [ فرد ]٥٥ من جيئاتك إلَيّ.
وقرأ ابن أبي عبلة٥٦ " ضَاءَ " ثلاثياً، وهي تدل على أن الرباعي لازم.
وقرئ٥٧ :" وَإِذَا أُظْلِمَ " مبنياً للمفعول، وجعله٥٨ الزمخشري دالاًّ على أن " أظلم " متعدٍّ، واستأنس أيضاً بقول حَبيبٍ :[ الطويل ]
هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ٥٩
ولا دليل في الآيَةِ ؛ لاحتمالِ أنَّ أصله، " وإذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عليهم "، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام " عَلَيْهِم " مقامه، وأما بينت حبيب فمولّد.
وإنما صدرت الجملة الأولى ب " كلّما " والثانية ب " إذا "، قال الزمخشري :" لأنهم حراصٌ على وجود ما هَمّهم به، معقود من إمكان المشي وتأتِّيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقُّفُ والتَّحبُّسُ " ٦٠ وهذا هو الظاهر، إلاَّ أن من النحويين من زعم أن " إذا " تفيد التكرار أيضاً ؛ وأنشد :[ البسيط ]
إِذَا وَجَدْتُ أُوَارَ الحُبِّ في كَبِدِي أَقْبَلْتُ٦١ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ٦٢
قال :" معناه معنى " كلما " ".
قوله :" قَامُوا " أي وقفوا أو ثبتوا٦٣ في مكانهم، ومنه :" قامت السوق ".
قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ .
" لو " حرف لما كان سيقع٦٤ لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه وهي أولى من عبارة غيره، وهي حرف امتناع لامتناع لصحة العبارة الأولى في نحو قوله تعالى : لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي
[ الكهف : ١٠٩ ].
وفي قوله عليه السلام :" نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْب، لو لم يَخفِ الله لم يَعْصِهِ " ٦٥ وعدم صحّة الثانية في ذلك كما سيأتي محرراً، ولفساد قولهم :" لو كان إنساناً لكان حيواناً " ؛ إذْ لا يلزمُ من امتناع الإنْسَانِ امتناعُ الحيوان، ولا يجزم بها خلافاً لقَوْم، فأما قوله :[ الرمل ]
لو يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ لاَحِقُ الآطَالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ٦٦
وقولُ الآخر :[ البسيط ]
تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ إِحْدىَ نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا٦٧
فمن تسكين المتحرك ضرورةً. وأكثر ما تكون شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى " إِنْ " ؛ كقوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ [ النساء : ٩ ] وقوله :[ الطويل ]

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيّ وَدُوني جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ
[ لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أَوْ زَقَا إِلَيهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ القَبْرِ صَائِحُ ]٠