الآية ٢٠ ١ وقوله تعالى :( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) أي ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه، ( وإذا أظلم عليهم ) بالشدائد قاموا، وصدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو شاء الله لذهب ) بما ذكر ؛ أي أصمهم وأعماهم.
وروي عن [ الضحاك عن ]٢ ابن عباس رضي الله عنه٣ ( أن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين، فشبه به إيمان المنافق ؛ أنه عن سريع يزول ).
وقال القتبي : كان المنافق في ظلمة الكفر، فاهتدى بما أعطي من النور كمستوقد النار٤ بنوره في ظلمة الليل، وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره، أو سكن لمعان البرق، رجع إلى ما فيه من الظلمة.
والأصل في هذا الباب : أن الله تعالى خلق هذه الدار لمحنة أهلها، وجعل له دارا يجزيهم فيها مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثا ؛ إذ يكون خلق الخلق٥ للفناء بلا عواقب لهم. وذلك عبث في العقول ؛ لأن كل شارع في ما لا عاقبة له عابث، وفي ما لا يريد [ معنى يكون ]٦ في العقل هازل. ولذلك قال :( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) [ المؤمنون : ١١٥ ]. فإذا كان كذلك صارت هذه الدار [ دليل الأخرى ]٧ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلا بالمعروف من هذه ؛ إذ بهذه عوقب تلك، ولهذا خلق الله الممتحنين بحيث يألمون، ويتلذذون ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا واللذات التي فيها رغبوا.
فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمي عن الآخرة وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمي عن أمر الله ونهيه، أو أُلحق بالأعمى والأصم والميت ونحو ذلك، لذهاب منافع البصر والسمع والحياة، إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأمل والتدبر. فإذا أغفل عن ذلك سمي بالذي ذكرنا، وبينا : أنه لولا الآخرة ودار الجزاء لم يكن للخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن. فعلى ذلك ضرب [ الله المثل ]٨ لذهاب نور القلب الذي به تبصر العواقب، وينتفع بها، بذهاب نور البصر في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره. وكذلك أمر السمع وغيره. فكان على ذلك أمكن إخراج المثلين جميعا على الكفرة والمنافقين.
أما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه، وهو نور البصر، لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار، فمثله : إذا ذهب عنه نور بصر القلب وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائها. وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيرا ؛ إذ يبصر الطريق، كمن يذهب عنه بصر القلب ؛ إذ به يبصر عواقب الأشياء. بل الذي قصد السلوك بالبروق٩ والاستضاءة بنور النار ؛ إذا١٠ ذهب كان أعظم حسرة وأشد خوفا من النار وشدة المطر وخبث الطريق [ من الذي ]١١ لم يعرف في الابتداء نفع النار أو البرق، ويكره١٢ المطر على شدة رغبته فيه والنار بما ذهب منه. وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر ؛ إذ به يرد إلى درك الأسفل، ولا قوة إلا بالله.
وكذلك الكافر لم يبصر بما أعطاه من البصر عواقب البصر الظاهر، ولا يسمع بما أنعم عليه من السمع عواقب السمع ؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أدركه إلى العقل ليعتبر به أنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستخفاف، ولا١٣ يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداء شكره. وبذلك يصير به إلى الجزاء في العواقب، ولا قوة إلا بالله.
٢ - من ط م..
٣ - في ط م: عنهما..
٤ - تكررت كلمة النار في الأصل..
٥ - في ط ع: الخالق..
٦ - من ط م، في الأصل و ط ع: يكون معنى في..
٧ - من ط م، في الأصل و ط ع: دليلا أخرى..
٨ - في ط م: (المثل)، ساقطة من ط ع..
٩ - في ط ع: بالبرق..
١٠ - في ط ع: وإذا..
١١ - في ط ع: فالذي..
١٢ - الواو ساقطة من ط ع..
١٣ - من ط م، الواو ساقطة من الأصل و ط ع..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم