ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

يكاد البرق يخطف أبصارهم استئناف، كأنه قبل ما حالهم مع تلك الصواعق، وكاد لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد لفقد شرط أو مانع فهي خبر محض بخلاف عسى فإنه رجاء وإنشاء، والخطف : الاستيلاب بسرعة.
كلما تدل على التكرار.
أضاء لهم لازم بمعنى لمع، أو المفعول محذوف أي نور لهم ممشى.
مشوا فيه لحرصهم على المشي دون الوقوف ولذكر ذكر كلما مع الإضاءة دون الإظلام.
وإذا أظلم عليهم قاموا وقفوا، وأظلم أيضا جاء لازما ومتعديا.
ولو شاء الله أي يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق، حذف لدلالة الجواب.
لذهب بسمعهم وأبصارهم فإن الرعد والبرق وإن كانا في الظاهر سببين لذهاب السمع والبصر لكن تأثير الأسباب كلها في الحقيقة بمشيئة الله تعالى، فالسبب الحقيقي هو المشيئة والجواهر والأعراض وأفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى مرتبطة بمشيئته.
إن الله على كل شيء قدير تصريح وتقرير لما سبق والشيء مصدر شاء يطلق بمعنى الفاعل أي الشاءيُ – فيتناول الباري تعالى قال الله تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ١ وبمعنى المفعول أي الشيء وجوده وهو الممكن ومنه قوله تعالى : خالق كل شيء ٢ فهو على عمومه، وحمزة يسكت على الياء من شيء وشيئا في الوصل خاصة، والقدرة التمكن من إيجاد الشيء، و القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وفي القدير مبالغة قلما يوصف به غير الباري تعالى.
تمثيل لحال المنافقين من الحيرة والشدة بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق، أو يقال شبه للمنافقين بأصحاب الصيب، والدين القويم والقرآن بالصيب، وقال : فيه ظُلُماتٌ يعني مانعة من السير عليه وهي المحن والمكاره من العبادات والجهاد وترك الشهوات. روى مسلم وأحمد والترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم :«حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات »٣ وروى الترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لما خلق الله ا لجنة قال لجبرئيل : اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها فيها، ثم جاء فقال : أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره ثم قال : يا جبرئيل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال : أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال : فلما خلق الله النار قال : يا جبرئيل إذهب فانظر إليها، قال : فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع به أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات ثم قال : يا جبرئيل اذهب فانظر إليها قال : أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها »٤ وقال الله تعالى : وإنها لكبيرة إلى على الخاشعين ٥ وفيه رعد يعني آيات مخوفة من عذاب الله وبرق يعني فتوح ومغانم كثيرة يأخذونها فيسهل به السير على الطريق ويدفع ظلمة المكاره أو الحجج الواضحة الداعية إلى السلوك على الطريق المستقيم والمسهلة للمكاره، يجعلون أي المنافقين أصابعهم في آذانهم من أجل الرعد والصواعق قائلين : لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون ٦ حذر الموت بالمحن والمشقات إن آمنوا، وبالقتال إن جاهدوا كما قال في حالهم : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ٧ ولأنهم يزعمون أن سدهم آذانهم عن سماء آيات العذاب ينجيهم من عذاب الله كما أن الأحمق إذا هوله الرعد ويخاف صواعقه يسد آذانه مع أنه لا خلاص له منها بسد الآذان، وكما أن الأرنب إذا رأى صائدا مقبلا ولا يرى منه مفرا يغمض عينه زعما منه أن عدم رؤيته ينجيه من قتله.
والله محيط بالكافرين لا يفوتهم ما كتب عليهم من المحن والعذاب في الدنيا بالفضيحة وغيرها وفي الآخرة بالعذاب السرمدي، أو لا يفيدهم ولا ينجيهم سد الآذان من الآيات المخوفة عن وقوع العذاب كما لا ينجي الأرنب تغميض العين من الصائد بل يعينه عليه.
يكاد البرق أي الفتوح والمغانم وشوكة الإسلام لأجل حرصهم على الدنيا يخطف أبصارهم ، أو الحجج الواضحة يخطف أبصارهم المؤفة وآرائهم الزائغة التي بها يبصرون الباطل حقا والحق باطلا على ما زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فحينئذ يرون الحق حقا والباطل باطلا فيؤمنوا كلما أضاء لهم البرق وظهر الفتح والدولة للمسلمين ورأوا حجة الإسلام واضحة مشوا فيه و اتبعوا سبيل المؤمنين وإذا أظلم البرق أي لم يظهر الفتح وأدركوا المحنة نسوا الحجة الواضحة وقاموا ووقفوا عن سلوك الطريق، نظيره قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ٨.
ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم المؤفة بقصيف الرعد وأعطاهم السمع والأبصار الصحيحة، نظيره قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ٩ أخرج ابن جرير من طريق السدي الكبير عن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة ابن مسعود وناس من الصحابة قال : كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد صواعق وبرق، فجعلا كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعها فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، فأتيا مكانهما يمشياء فجعلا يقولان : ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا صلى الله عليه وسلم فنضع أيدينا في يده، فأتياه ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم أو يذكروا بشيء فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه، وكانوا إذا أكثرت أموالهم وولدهم وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا في وقالوا إن دين محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ صدق واستقاموا عليه كما ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهما البرق وإذا أُظلَمَ عليهم قاموا، وكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم وأصابهم البلاء قالوا : هذا من أجل دين محمد صلى الله عليه وسلم وارتدوا كما قام ذانك المنافقان حين أظلم عليهما البرق، انتهى رواية ابن جرير.
قلت : ويحتمل أن يكون الظلمات عبارة عن المتشابهات التي لا سبيل للآراء إلى درجها، والبرق عن المحكمات التي تساعده الآراء، فالمؤمنون من أهل السنة يقولون آمنا به كل من عند ربنا والذين في قلوبهم زيغ سدوا آذانهم عن وعيد حرمة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله حذر الموت، وهو القول بما لا يساعده ولا يوافق مذهبهم حيث زعمونه حيث زعمونه موتا وجعلوا القرآن تابعا لآرائهم الكاسدة، فكلما أضاء لهم وأدرك عقولهم مشوا فيه وآمنوا به وإذا أظلم عليهم ولم تساعده عقولهم قاموا عن الإيمان به ووقفوا الدين وابتغوا تأويله على حسب آرائهم الكاسدة، فمنهم من لم يدرك عقله موجودا يكون جسما ولا يكون كمثله شيء أنكر التنزيه وصار مجسما، ومنهم من أنكر الرؤية، ومنهم من أنكر عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك، ومنهم من أنكر كون القرآن كلام الله غير مخلوق فصاروا اثنين وسبعين فرقة : روافض، وخوارج، وأهل الاعتزال والمجسمة ونحو ذلك قائلين نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم حيث جعلوا كتاب الله تعالى تابعا لآرائهم وعلى هذا التقدير قوله تعالى : ومن الناس من يول ءامنا بالله وباليوم الآخر شامل لاثنين وسبعين فرقة من أهل الأهواء : الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ١٠ يدعون الإيمان ويقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هو بمؤمنين بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم وأنزل الله تعالى في كتابه وتواتر به الأخبار يخادعون الله والذين آمنوا بتأويلاتهم النصوص وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون بل يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون.
في قلوبهم مرض وزيغ فزادهم الله مرضا وزيغا حيث ألقى الشيطان في قلوبهم التأويلات الفاسدة.
ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون على الله ويكذبون ظاهر النصوص.
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض بتحريف الكلم عن مواضعه وتعويج الدين القويم قالوا إنما نحن مصلحون .
ألا إنهم هم المفسدون لكن لا يشعرون وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس يعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وجمهور الناس وهم أهل السنة والجماعة فإنهم أكثر الناس وللأكثر حكم الكل «ويد الله مع الجماعة »١١ رواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعا.
قالوا أنؤمن كما ءامن السفهاء فإنه لا يساعد عقائدهم الآراء قالوا ذلك في شأن الصحابة صريحا بالروافض والخوارج ينسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته إلى السفه والكفر، أو قالوا ذلك دلالة حيث خالفوهم وزعموا أن تلك العقائد غير معقولة.
وإذا لقوا الذين ءامنوا الآية، بيان لما في تلك المذاهب من التقية خوفا من الذين استخلفهم الله تعالى في الأرض غالبا، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم على حسب وعده، وقوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا يحتمل أن يكون مثالا للفريقين من المنافقين وأهل الأهواء وإيمان أهل الأهواء ولمعان نوره مقتصر على ما حول المستوقد  وقرية يعني في الدنيا حيث يلتبس الحق بالباطل فإذا ماتوا ذهب الله بنورهم، ويحتمل أن يكون مثلا للمنافقين خاصة وأصحاب الصيب مثل أهل الأهواء وكلمة أو للتوزيع كما في قوله تعالى : أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ١٢ والله تعالى أعلم. فإن قيل كيف يتصور حمل هذا المثل على أهل الأهواء ولم يكونوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قلت خطابات القرآن عامة للموجودين ومن سيوجد إجماعا أليس قوله تعالى : وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ١٣ في حق أهل الأهواء. فإن قيل نزول هذه الآيات كان في حق المنافقين كما تدل عليه الأحاديث وتفاسير السلف ؟ قلت : نعم لكن خصوص المورد لا يقتضي تخصيص عموم اللفظ، فالآيات وإن كانت نازلة في حق المنافقين لكنها بعموم ألفاظها شاملة لأهل الأهواء والله تعالى أعلم.

١ سورة الأنعام، الآية: ١٩.
٢ سورة الأنعام، الآية: ١٠٢.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها٢٨٢٢ وأخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات٢٥٥٩.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات٢٥٦٠، وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في خلق الجنة والنار٤٧٣١ وأخرجه النسائي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: الحلف بعزة الله تعالى٣٧٦٢.
٥ سورة البقرة، الآية: ٤٥.
٦ سورة فصلت، الآية: ٢٦.
٧ سورة الاحزاب، الآية: ١٩.
٨ سورة الحج، الآية: ١١.
٩ سورة السجدة، الآية: ١٣.
١٠ سورة الروم، الآية: ٣٢.
١١ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة٢١٦٦.
١٢ سورة المائدة، الآية: ٣٣.
١٣ سورة آل عمران، الآية: ٧.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير