ومن الناس من يشري أي يبيع ويبذل في الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نفسه حتى يقتل، نظيره قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية، عن أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله أي الجهاد أفضل ؟ قال : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " رواه أحمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي، وابن ماجة عن أبي سعيد ابتغاء مرضاة الله طلبا لرضائه كان مرضاة الله ثمن يطلبها ببذل نفسه والله رءوف بالعباد حيث أرشدهم لمثل هذه التجارة الرابحة، أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : أقبل صهيب مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال : يا معشر قريش لقد علمتهم أني من أرماكم رجلا وايم الله لا تصلون إلى حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتم على ما لي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا : نعم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال :" ربح البيع أبا يحيى " نزلت هذه الآية، وأخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب نفسه موصولا وأخرجه أيضا من طريق حماد بن سلمة عن أنس وفيه التصريح بنزول الآية فيه وقال : صحيح على شرط مسلم، وأخرجه ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوه فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير لا يضركم أمنك كنت أم من غيركم فهل لكن أن تأخذوا ما لي وذروني وديني ؟ ففعلوا، وسياق هذا الحديث يخالف سياق ما سبق والأول هو الصحيح، وقيل : نزلت الآية في سرية الرجيع. ذكر ابن إسحاق ومحمد بن سعد وغيرهم أن بني لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي مشوا إلى عضل والقارة وهما حيان وجعلوا لهم فرائض على أن يقدموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكلموه فيخرج إليهم نفر من أصحابه يدعونهم إلى الإسلام ويعلمونهم الشرائع قالوا : فنقتل من أردنا ونسير بهم إلى قريش بمكة فنصيب بهم ثمنا، فقدم سبعة نفر من عضل والقارة مقرين بالإسلام فقالوا : يا رسول الله إن فينا الإسلام فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي الأنصاري ومرتد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر رهط عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت فغدوا بهم فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة عام وفي رواية فنفروا لهم من مائتي رجل، قلت : لعل الرامي منهم مائة، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم أن لا نقتل منكم وإنا والله لا نريد قتلكم إنما نريد نصيب شيئا من أهل مكة، فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي الله خبرنا رسولك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم يوم أصيبوا فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة، وبقي خبيب وزيد وعبد الله بن طارق فما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه فمنعه الدبر فسمي حمي الدبر فبعث الله سبحانه فسال الوادي فاحتمله فذهب به، وكان عاصم قد أعطى الله العهد أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فبر الله قسمه، وأما زيد بن الدثنة وابن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه فرموه بالحجارة حتى قتلوه وقبره بالظهران وباعوا زيدا وخبيبا بمكة، قال ابن إسحاق وابن سعد : اشترى زيدا صفوان بن أمية وأسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعته مع نسطاس مولى له و وأسلم بعد ذلك إلى التنعيم ليقتله واجتمع من جمع قريش فيهم أبو سفيان حتى قدم ليقتل، فقالوا أبو سفيان : أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا بمكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك، فقال : الله ما أحب أن محمدا صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان : ما رأيت في الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد ثم قتله نسطاس، وأما حبيب فابتاعه بنو الحارث قتل خبيب الحارث يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة فما راع المرأة إلا بخبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة، فقال خبيب : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن الغدر ليس من شأننا، فقالت بعد : والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وهو الموثق بالحديد وما كان بمكة من ثمرة إلا كان رزقا رزقه الله، ثم إنهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن يصلبوه فقال لهم : دعوني أصلي ركعتين فتركوه، فكان خبيبا هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة فركع ركعتين ثم قال : لهم : لولا أن تحسبوا أن ما بي من جزع لزدت، فقال : الله أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا وأنشأ يقول :
| ولست أبالي حين أقتل مسلما | على أي شق كان في الله مصرعي |
| وذاك في ذات الإله وإن يشأ | يبارك في أوصال شلو ممزع |
التفسير المظهري
المظهري