ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ
تفسير المفردات :
ويشري أي يبيع ويبذل ابتغاء أي طلبا.
المعنى الجملي :
دلت الآيات السابقة على أن المقصد من كل العبادات هو تقوى الله بإصلاح القلوب وإنارتها بذكره تعالى، لاستشعارها عظمته وفضله، وعلى أن طلب الدنيا من الوجوه الحسنة لا ينافي التقوى بل يعين عليها، خلافا لما ذهب إليه أهل الأديان السابقة من أن تعذيب الأجساد وحرمانها من طيبات الدنيا هو أس الدين وأصله، وأن من يطلب الدنيا ويجعل لها عناية خاصة ليس له في الآخرة من خلاق.
ولما كان محل التقوى هو القلوب لا الألسنة، ودليل ما في القلوب الأعمال لا مجرد الأقوال : ذكر في هذه الآيات أن الناس في دلالة أقوالهم على حقائق أحوالهم صنفان : منافقون يظهرون غير ما يبطنون، ومخلصون في أعمالهم يبتغون مرضاة الله، ولا يريدون إلا وجهه
الإيضاح :
أي ومن الناس فريق يبيع نفسه لله لا يبغي ثمنا غير مرضاته، ولا يتحرى إلا صالح العمل وقول الحق مع الإخلاص فيهما، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر عرض الدنيا وزخرفها على ما عند ربه.
وهذا البيع لا يتحقق إلا إذا جاء المؤمن بنفسه وماله في سبيل الله إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كجهاد أعداء الأمة عند الاعتداء عليها، أو الاستيلاء على شيء من أرضها، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه ذلك، ومن قدر عليه بماله وجب عليه ذلك، وإن قدر عليهما معا وجب عليه، فإن قصر في شيء من ذلك فقد آثر نفسه على مرضاة الله وخرج من زمرة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله.
وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما ؟، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم عمله، ويشتري منهم أموالهم لأنفسهم وهي ملكه تعالى بما لا يعد ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم ليبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شر المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح كما قال تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير