ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

[ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ] بعد أن ذكر الله سبحانه بعض الناس الذين يعدون داء الجماعات التي تؤدي إلى الفساد، وإلى الهلاك، وحالهم إذا تولوا حكم الناس، ذكر أهل الفضل الذين يعدون دواء هذا الداء، وعلاج ذلك المرض الفتاك، وصلاح ذلك الفساد، فإنه إذا كان طغيان بعض الولاة هو الذي يؤدي إلى هلاك الحرث والنسل، فأولئك الأبرار الذين يجاهدون الطغيان هم الذين يقفون تياره، و يصدعون بأمر الله، وهم الذين باعوا أنفسهم مجاهدين ناطقين بكلمة الحق، ولذا قال سبحانه :[ و من الناس من يشري نفسه ] أي يبيع نفسه لله سبحانه، فيفدي دين الله والحق بنفسه وماله وكل ما يملك، وفي ذكر الفريق المقابل لأهل الشر بذلك الوصف الذي يشعر بأن أخص حالهم بذل النفس والنفيس، لا مجرد الإخلاص والبراءة من النفاق إشارة إلى عظم المهمة الملقاة على عاتقهم، وهي مجاهدة الشر والتغلب عليه، وإزالة أوضاره، فإن ذلك يقتضي التعرض للأذى، بل للتلف، ومن قتل في سبيله قتل شهيدا، بل إنه يكون أفضل الشهداء، كما صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم (١).
وإن هذا الذي يبيع نفسه لله سبحانه، ويفدي الحق بنفسه وماله، لا يطلب إلا ثمنا واحدا، هو أعلى الأثمان، وهو رضا الله سبحانه وتعالى، ولذا قال سبحانه فيما يطلبه :[ ابتغاء مرضات الله ] الابتغاء : الطلب الشديد والرغبة القوية الصادقة، ومرضاة مصدر ميمي بمعنى الرضا، ولا شك أن التعبير بالمصدر الميمي دون المصدر الأصلي له معنى يدركه السامع بذوقه، ولم نجد النحويين ولا البلاغيين تعرضوا لبيان التفرقة بين التعبير بالمصدر الميمي وغيره، والذي يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما أن المصدر الميمي يصور المعنى المصدري واقعا قائما متحققا في الوجود، أما المصدر غير الميمي فيصور المعنى مجردا، فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجردا من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أولا، أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق، أو في صورة الموجود المتحقق، وعلى ذلك يكون معنى [ ابتغاء مرضات الله ] أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلبا موثقا رضا الله سبحانه حقيقة واقعة مؤكدة، ويتصورون رضاه سبحانه حقيقة قائمة قد حلت بهم، فيشتد طلبهم، وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم.
و أولئك الذين باعوا أنفسهم لله، وافتدوا الحق بأموالهم وأنفسهم، هم حجة الله القائمة في عهد الظلم والظلمات، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يبتلي الجماعات بأهل الشر والطاغوت، وحكم الظالمين، فإنه يرسل في هذا البلاء أولئك الذين ندبوا أنفسهم للحق يدعون عليه، ويجهرون به، ويجاهدون في سبيل الله لرفع مناره، وجعل كلمة الله هي العليا، وعندئذ يكون معهم كل من يميل إلى الحق قلبه، بين هؤلاء قوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وبذلك يكون الناس أربع طوائف :
أولها – أهل الشر الطاغون، الظالمون.
و ثانيتها – أهل العدل الذين يفتدون الحق بأنفسهم وأموالهم، ويطرحون كل هوى لهم في سبيل رضا الله وإقامة الحق.
و ثالثتها – أولئك الذين يتبعونهم وإن لم يبلغوا شأوهم، ولم يفتدوا الحق مثل افتدائهم.
و رابعتها – أولئك الذين ينظرون، ويتبعون الفريق الغالب في هذه المعركة التي تقوم بين الخير والشر، وأولئك هم الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم الإمعة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن مسلكهم، فقال :"لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا (٢).
[ والله رءوف بالعباد ] ذيل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بتلك الكلمة السامية، للإشارة إلى أمور ثلاثة وصلت إليها مداركنا :
أولها – إن الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده جعل الخير القوي بجوار الشر المندفع، فهدى الله أهل الخير الأقوياء إلى مدافعة أهل الشر الطغاة، ولولا ذلك لعم الفساد، وهلك العباد، [ و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض... ٢٥١ ] ( البقرة ).
و ثانيها – الإشارة إلى أن الغلب للحق دائما، لأن ذلك من دواعي رأفته ورحمته بعباده، والحق الذي يجيء بالمغالبة حق قوي عزيز يعض عليه بالنواجذ، وفيه إعلان لغلبة المعاني الإنسانية على النواحي الحيوانية.
و ثالثها – إن من رحمة الله بعباده ألا يمكن للظالمين، وأن يمكن للعادلين، فإن الحكم العادل يكون رحمة بالناس ورفقا بهم، والحاكم العادل ظل الله في أرضه، ورحمته بخلقه، وتسليط الظالمين من أمارة غضب العلي الحكيم.
ثم في تذييل الآية ذلك التذييل فوق ما سبق دعوة إلى الرحمة بالناس والرفق بهم والحدب عليهم، ولقد قال صلى الله عليه وسلم :" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"(٣) اللهم هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

١ عن نعيم بن همار أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الشهداء أفضل ؟ قال :"الذين إن يلقوا في الصف يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه."(رواه أحمد : باقي مسند الأنصار (٢١٤٣٨) ).
و روى الترمذي : فضل الشهداء عند الله، عن عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"الشهداء أربعة رجل مؤن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا " ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته – قال : فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم قال :"و رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله فهو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مؤمن أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة ". قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب. ورواه أحمد في مسند العشرة المبشرين (١٤٥). .

٢ رواه الترمذي : كتاب البر والصلة – باب الإحسان والعفو (١٩٣٠). و الإمعة من يقلد غيره في قوله أو فعله..
٣ عن عبد الرحمان بن شماسة قال : أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت ممن أنت ؟ فقلت : رجل من أهل مصر، فقالت : كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه ؟ فقال : ما نقمنا منه شيئا إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت : أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول في بيتي هذا :"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ". (رواه بهذا اللفظ مسلم : فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر (٣٣٠٧) ورواه أحمد مختصرا (٢٣٤٨١))..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير