ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

وعلى عكس طائفة المنافقين التي وصفتها هذه الآيات أدق وصف، تحذيرا من ألاعيبها وتنبيها إلى مناوراتها، وتعريفا بمظاهرها البراقة الخلابة حتى لا يقع المسلمون في أشراكها، تولت آيات أخرى وصف المؤمنين الصادقين أحسن وصف وأصدقه تعريفا بهم، وتنبيها إليهم، حتى يلتف المسلمون حولهم كل الالتفاف، فقال تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاة اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ( ٢٠٧ ) . وهذا يقضي أن هناك طائفة من الناس تكرس حياتها، وتخصص جهودها، وتبيع نفسها في سبيل الله، ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء مرضاة الناس، فهي لا تبخل بوقت ولا بجهد في سبيل الصالح العام والخير المشترك، والتعاون على البر والتقوى، وفي سبيل ذلك تتنازل عن شهواتها، وتتخلى عن أهوائها، وتتجرد من أنانيتها، حتى تتقمص فيها روح الجماعة وخيرها، ولا تتحرك إلا بها ولها، امتثالا لأمر الله، وابتغاء مرضاة الله، ولا شك أن وجود هذه الطائفة من الناس في المجتمعات والأمم نعمة كبرى من أكبر النعم التي ينعم الله بها عليها، إذ بواسطتها يتحقق كثير من الإصلاح، وعلى يدها يزول كثير من الفساد، وبفضل توجيهها والمثل الصالح الذي تضربه لبقية الناس يتم كثير من التقدم والازدهار، وتنتشر بينهم ظاهرة التضحية والإيثار، فهي رحمة من الله عميقة الأثر في الأفراد والجماعات، وقوله تعالى في هذا السياق : واللهُ رَؤُوفٌ بالعِبَادِ . إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يهيئ لعباده من بينهم من يأخذ بيدهم، ويمهد لهم سبل الصلاح والفلاح، على غرار قوله تعالى : لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مَّنَ أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم، حَريصٌ عَلَيكُم، بالمُؤمِنينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ .
ومن المعاني السامية التي يحمل عليها قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاة اللهِ . الرجل القوي من المسلمين الذي يجاهد في سبيل الله، إذا أراد أن يحمل أثناء جهاده على جيش كبير من العدو، وكان ذلك منه بنية خالصة، طلبا للشهادة، فهذا العمل جائز عند المدققين من علماء الشريعة، وتنطبق عليه هذه الآية تمام الانطباق.
قال أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري : " والصحيح عندي جوازه، لأن فيه أربعة أوجه، الأول طلب الشهادة، الثاني وجود النكاية، أي النكاية في العدو، الثالث تجرئة المسلمين عليهم، الرابع إضعاف نفوس الأعداء، ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع ( أي إلقاء الرعب في قلوبهم ).
وبهذه الآية استشهد أبو هريرة عندما حمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه، فقال أبو هريرة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ".
وإليها استند عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أرسل جيشا فحاصروا حصنا، فتقدم رجل عليه فقاتل فقتل، فقال الناس :( ألقى بيده للتهلكة )، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال " كذبوا " أو ليس الله تعالى يقول : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاة اللهِ .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير