٨١- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : وَاَلذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ ِّلأَزْوَاجِهِم الآية. وكان فرْضُ الزوجَةِ أن يوصي لها الزوج بمتاع إلى الحول، ولم أحفظ عن أحدٍ خلافا أن المتاعَ : النفقة، والسكنى، والكسوة إلى الحول وثبت لها السكنى فقال : غَيْرَ إِخْرَاجٍ ثم قال : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ فدل القرآن على أنهن إن خرجن فلا جناح على الأزواج لأنهن تَرَكْنَ مَا فُرِضَ لَهُنَّ. ودلَّ الكتاب العزيز إذا كان السكنى لها فرضًا فتركت حقها فيه، ولم يجعل الله تعالى على الزوج حرجا أن من ترك حقه غير ممنوع له لم يخرج من الحق عليه. ثم حفظت عمن أرضى من أهل العلم أنَّ نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها حوْلا مَنْسُوخٌ بآية المواريث. قال الله عز وجل : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُم إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١).
قال الشافعي : ولم أعلم مخالفا فيما وصفت من نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنةً. وأقلَّ من سنة. ثم احتمل سكناها إذا كان مذكورا مع نفقتها بأنه يقع عليها اسم المتاع أن يكون منسوخا في السنة وأقل منها، كما كانت النفقة والكسوة منسوختين في السنة وأقل منها، واحتمل أن تكون نسخت في السنة وأثبتت في عدة المتوفى عنها حتى تنقضي عدتها بأصل هذه الآية، وأن تكون داخلة في جملة المعتدات، فإن الله تبارك وتعالى يقول في المطلقات :
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يأتين بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (٢) فلما فرض الله في المعتدة من الطلاق السكنى، وكانت المعتدة من الوفاة في معناها، احتملت أن يجعل لها السكنى لأنها في معنى المعتدات.
فإن كان هذا هكذا، فالسكنى في كتاب الله عز وجل منصوص، أو في معنى من نص لها السكنى في فرض الكتاب. وإن لم يكن هكذا فالفرض في السكنى لها في السُّنة، ثم فيما أحفظ عمن حفظت عنه من أهل العلم أن للمتوفى عنها السكنى ولا نفقة. فإن قال قائل : فأين السنة في سكنى المتوفى عنها زوجها ؟ قيل : أخبرنا مالك، عن سعد بن إسحاق(٣)، عن كعب بن عُجْرَة(٤).
قال الشافعي : وما وصفت في متاع المتوفى عنها هو الأمر الذي تقوم به الحجة، والله تعالى أعلم. ( الأم : ٤/٩٩-١٠٠. ون الأم : ٥/٢٢٣. ومعرفة السنن والآثار : ٦/٤٤-٤٥ و ٦/٤٩-٥٠. )
٢ - الطلاق: ١..
٣ - سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة المدني. عن: أبيه، وأنس. وعنه: شعبة، ومالك، والقطان. صدوق. الكاشف: ١/٣٠٤. ون التهذيب: ٣/٢٧٧. وقال في التقريب: ثقة..
٤ - لم يذكر الشافعي هنا نص الحديث، وأورده في الرسالة ص: ٤٣٨، وفي المسند (ر٧٨٧).
ورواه مالك في الطلاق (٢٩) باب: مقام المتوفى عنها (٣١) (ر٨٧) عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُريعة بنت مالك بن سنان ـ وهي أخت أبي سعيد الخدري ـ أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أَعْبُدٍ له أَبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» قالت: فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان بن عفان، أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته، فأتبعه وقضى به.
ورواه أبو داود في الطلاق (٧) باب: في المتوفى عنها تنتقل (٤٤) (ر٢٣٠٠). والترمذي في الطلاق واللعان (١٠) باب: ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها (٢٣) (ر١٢٠٤) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في الطلاق (٢٧) باب: مقام المتوفى عنها (٦٠) (ر٣٥٣٠)..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي