قال تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج (١) وفيها مسألة واحدة
[ ٧٥ ] : المسألة : هل الآية محكمة أم منسوخة ؟
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
النسخ(٢) لا يجوز إلا في الكلام الذي معناه الأمر أو النهي، فإذا ورد الكلام لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الأمر ؟
جاز النسخ فيه مثل قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج (٣). (٤)
وقال – رحمه الله تعالى - :
ولا يضر كون الآية المنسوخة – في ترتيب المصحف في الخط والتلاوة – متقدمة في أول السورة أو في سورة متقدمة في الترتيب، وتكون الناسخة لها في السورة أو في سورة متأخرة في الترتيب، لأن القرآن لم ترتب آياته وسوره على حسب نزول ذلك، ولكن كما شاء ذو الجلال والإكرام منزله، لا إله إلا الله، ومرتبه الذي لم يكل ترتيبه إلى أحد دونه.
فأول ما نزل من القرآن(٥) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٦) ثم يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٧) وهما متأخرتان قرب آخر المصحف في الخط والتلاوة.
وآخر ما نزل(٨) آية الكلالة في سورة النساء، وسورة براءة وهما في صدر المصحف في الخط والتلاوة فلا يجوز مراعاة رتبة التأليف في معرفة الناسخ والمنسوخ البتة.
وقد نسخ لله عز وجل قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج (٩) بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا (١٠) بإجماع الأمة كلها والناسخة في المصحف في الخط والتلاوة والترتيب والتأليف قبل المنسوخة، وفي هذا كفاية، وبالله تعالى التوفيق(١١).
٢ النسخ في اللغة: النقل ومنه نسخ الكتاب، أي نقل ما فيه إلى غيره، فيطلقون اسم النسخ والنقل على ذلك، وقال آخرون: معناه: الإبطال ومنه: نسخت الرياح الآثار. عمدة الحفاظ للسمين الحلبي (٤/١٦٩)، الفصول في الأًصول للجصاص (٢/١٩٨).
وفي اصطلاح المتأخرين من علماء الفقه وأصوله يعرفون النسخ بأنه: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ عنه.
ومن شروط وقوعه:
أن يكون النسخ في حكم شرعي.
أن لا يكون الناسخ متصلا بالمنسوخ في آية واحدة.
أن يكون بينهما زمن في النزول.
وجود التعارض بين الحكمين المدعي فيهما النسخ، أما علماء السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم فالنسخ عندهم يشمل النسخ الذي استقر عليه المتأخرون، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد. أ. هـ.
أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن لمساعد الطيار ص (١٤٣)، مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص (٢٣٢-٢٣٤)..
٣ سورة البقرة: آية ٢٤٠..
٤ الإحكام لابن حزم (١/٤١٦)..
٥ اختلف العلماء في معرفة أول ما نزل من القرآن على أقوال كثيرة ويرجع الاختلاف في ذلك إلى أن صاحب كل قول يخبر عن حد علمه أو عما بلغه من الدليل أو أنه أراد أوليه مخصوصة ففهمت على غير ما أراد. دراسات في علوم القرآن لفهد الرومي ص (٢٢٦).
وقد جمع القاضي أبو بكر في الانتصار بين الأقوال فقال: ((وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات اقرأ باسم ربك وأول ما نزل من أوامر التبليغ يأيها المدثر، وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة)). البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/٢٠٦)..
٦ سورة العلق: الآيات ١-٥..
٧ سورة المدثر: الآيات ١-٥..
٨ واختلف العلماء – رحمهم الله – في آخر ما نزل من القرآن على أقوال كثيرة، قال القاضي أبو بكر: ((هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آيات تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب)) الاتقان للسيوطي (١/٣٧)..
٩ سورة البقرة: من آية ٢٤٠..
١٠ سورة البقرة: من آية ٢٣٤..
١١ الإحكام لابن حزم (١/٥٠٥). نجد أن ابن حزم – رحمه الله – يخالف منهجه في النسخ فهو يقول: ((النسخ بالإجماع المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز، لأن الإجماع أصله التوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إما بنص قرآن أو برهان قائم من أي مجموعة منه أو بنص سنة أو برهان قائم منها كذلك، أو بفعل منه عليه الصلاة والسلام لشيء علمه، فإذا كان الإجماع كذلك فالنسخ به جائز)) الإحكام (١/٥٣٠) قلت: وعلى أي شيء يعتمد هذا الإجماع في هذه المسألة وكيف يعد إجماعا مع هذا الاختلاف الوارد كما سيأتي في دراسة المسألة..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري