ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفا». في حديث طويل، ففيهم نزلت الآية.
وقال إنهم فروا من الطاعون: الحسن وعمرو بن دينار. وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى. وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون. لكن سحنة الموت على وجوههم. ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:
١٩٠- ٢٤٤].
قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا ﷺ أخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليرواهم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد. هذا قول الطبري، وهو ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها. واختلف الناس في لفظ أُلُوفٌ. فقال الجمهور: هي جمع ألف. وقال بعضهم: كانوا ثمانين ألفا. وقال ابن عباس: «كانوا أربعين ألفا». وقيل: كانوا ثلاثين ألفا. وهذا كله يجري مع أُلُوفٌ إذا هو جمع الكثير، وقال ابن عباس أيضا: «كانوا ثمانية آلاف»، وقال أيضا: أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ أُلُوفٌ لأنه جمع الكثير. وقال ابن زيد في لفظ أُلُوفٌ: «إنما معناها وهم مؤتلفون» أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم. إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم.
وقوله تعالى: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم. كأن ذلك الذي نزل بهم فعل من قيل له: مت، فمات، وحكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا، فماتوا. فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين. وهذا الموت ظاهر الآية، وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيه الأرواح الأجساد، وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ الآية، تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلّا له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم. وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر.
قوله عز وجل:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٤ الى ٢٤٦]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)

صفحة رقم 328

الواو في هذه الآية عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، هذا قول الجمهور إن هذه الآية هي مخاطبة لأمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث، وقال ابن عباس والضحاك: الأمر بالقتال هو للذين أحيوا من بني إسرائيل، فالواو على هذا عاطفة على الأمر المتقدم، المعنى وقال لهم قاتلوا، قال الطبري رحمه الله: «ولا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال هو للذين أحيوا»، وسَمِيعٌ معناه للأقوال، عَلِيمٌ بالنيات.
ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح: «يا رسول الله أوإن الله يريد منا القرض؟» قال: «نعم، يا أبا الدحداح»، قال: «فإني قد أقرضت الله حائطي» : لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال: اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال: فكان رسول الله ﷺ يقول: «كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة».
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال فيه ابن الدحداحة، واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، وقد ذهبت اليهود في مدة النبي ﷺ إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض، وهذا بين الفساد، وقوله حَسَناً معناه تطيب فيه النية، ويشبه أيضا أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته، واختلف القراء في تشديد العين وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ فقرأ ابن كثير «فيضعّفه» برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في «فيضاعفه» في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ [الأحزاب: ٣٠]، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء، فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين: أحدهما العطف على ما في الصلة. وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي: «والرفع في هذا الفعل أحسن».
قال القاضي أبو محمد: لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفا له. تقول: أتقرضني فأشكرك، وهاهنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم [الأعراف: ١٨٦]

صفحة رقم 329

بجزم نذرهم، لما كان معنى قوله فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف: ١٨٦] فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة، وقرأ ابن كثير «يبسط» بالسين، ونافع بالصاد في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع: إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع يبسط بالسين، وروي أن النبي ﷺ طلب منه أن يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال: «إن الله هو الباسط القابض، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال».
قوله عز وجل:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا هذه الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو، فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي هذا كله مثال للمؤمنين يحذر المكروه منه ويقتدى بالحسن، والْمَلَإِ في هذه الآية جميع القوم، لأن المعنى يقتضيه، وهذا هو أصل اللفظة.
ويسمى الأشراف الملأ تشبيها، وقوله مِنْ بَعْدِ مُوسى معناه من بعد موته وانقضاء مدته، واختلف المتأولون في النبي الذي قيل له ابْعَثْ، فقال ابن إسحاق وغيره عن وهب بن منبه: هو سمويل بن بالي.
وقال السدي: هو شمعون وقال قتادة: هو يوشع بن نون.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف، لأن مدة داود هي بعد مدة موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث. وخالف ملوكهم الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمما من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم. وقال السدي: «كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم. حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت:
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً الآية، وإنما طلبوا ملكا يقوم بأمر القتال، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم: «بنو يهوذا»
، فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت.
وقرأ جمهور الناس «نقاتل» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة «يقاتل» بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. وأراد النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما عندهم بقوله هَلْ عَسَيْتُمْ وقرأ نافع «عسيتم» بكسر العين في الموضعين، وفتح الباقون السين، قال أبو علي: «الأكثر فتح السين وهو المشهور»، ووجه الكسر قول

صفحة رقم 330

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية