المقاتلة تكون للجهاد بالذات لتكون كلمة الله هي العليا أو باللزوم كمن يقاتل ليذبّ عن حريمه، فإنّه يستلزم الجهاد. معناها ليكن اعتقادهم ونيتكم بالقتال (سبيل الله).
قوله تعالى: واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
قال ابن عرفة: وجه مناسبة الصفتين أن من قعد ولم يخرج للقتال لا بد أن يتكلم في المؤمنين ويتحدث في أمره فالله سميع له عليم. (قتال) من قاتل، ففيه وعد ووعيد.
قوله تعالى: مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً... .
هذه رحمة من الله تعالى لأنه متولّ على جميع الخلق غني بذاته عنهم، ومع هذا يجعل طاعتهم له (سلفا) منهم له، وقال في سورة براءة: إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ووصفه بالحسن في كميته وكيفيته. و «قرضا» إن كان مصدرا فهو مجاز، كما قال الامام المازري في وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً إنّ التأكيد يصير التطهير المعنوي حسيا وهو من ترشيح المجاز كقولك قول هند زوجة ابن زنباع:
بكى الخزمن (عوف) وانكره جلده... وعج عجيجا من جذام المطارق
قوله تعالى: أَضْعَافاً كَثِيرَةً... .
قال ابن عرفة: «كثيرة» راجع الى المجموع (وإفراد)، كل واحد من تلك الأضعاف موصوف/ بالكثرة.
قوله تعالى: والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
قدم القبض ترجيحا له أي ذلك القبض الذي ينالكم (بالصلاة) والزكاة (راجع) لكونه يعود عليكم بالبسط في الدنيا والثواب في الآخرة، وهذا بحسب الأشخاص فقد يكون إنفاق درهم قليلا لشخص (وكثيرا لآخر كما في الحديث: «سَبَقَ دينار مائة، فمن عنده درهمان فأنفق منهما) درهما ليس كمن عنده عشرة دراهم فينفق منها درهما».
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ... .
قال ابن عرفة: الرؤية إن كانت بصرية ونزل الغائب منزلة الحاضر تحقيقا له، (فالخطاب) للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وحده، وكذلك
قالوا في قول
سيبويه: هذا باب: إنّ الخطاب للخواص لا للعوام. وإن كانت علمية فالخطاب للجميع والظاهر الاول (لتعديه بإلى).
قوله تعالى: إِذْ قَالُواْ... .
قوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً... .
لم يقل: لنبيّهم لأجل مخالفتهم له وعدم اتّباعهم إياه فلذلك لم يضفه إليهم، والنبي إما شمعون، أو شمويل، أو يوشع.
وأبطل ابن عطية كونه يوشع لأن يوشع كان بعد موسى وبينه وبين داود قرون كثيرة.
قال ابن عرفة: لعل يوشع رجل آخر (غير) الذي كان بعد موسى.
(ابن عرفة قال: وتقدم لنا أنّ الإخبار بهذا القصص إما معجزة له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (أو وعظ وتخويف لأمّته أن ينالهم مثل ما نال أولئك).
قوله تعالى: نُّقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله... .
القتال مع أنّهم لم يقاتلوا إلا لأجل استخلاص (حريمهم) وأولادهم لكنه مستلزم لقتالهم في سبيل الله.
قوله تعالى: هَلْ عَسَيْتُمْ... .
قال الزمخشري: (هل) استفهام في معنى الإنكار عليهم والتقدير مثل: هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر قال ابن عرفة: ويظهر لي أنه استفهام على بابه، وأنه تأكيد في التلطف في الخطاب لمّا وبخهم على العصيان تلطف في العبارة عنه بوجهين:
أحدهما: ذكره له بلفظ الرجاء (مقاربة) العصيان دون التحقيق.
الثاني: لفظ الاستفهام دون الخبر.
فإن قلت: هم إنما طلبوا منه أن يؤمر عليهم ملكا في قتال يتطوعون به فكيف أجابهم بامتناعهم من قتال يكتب عليهم فرضا؟
قلت: إذا امتنعوا من امتثال قتال يجب عليهم (فأحرى) (ألا يوفوا) بقتال يتطوعون به.
وقرأ الكل «عَسَيتُمْ» بفتح السين إلا نافعا كسرها.
قال الزمخشري: وهي ضعيفة.
قال ابن عرفة: هذا (عادته) في تجاسره على القراءات (السبعة) وتصريحه بأنها غير متواترة.
قوله تعالى: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا... .
قال ابن عرفة: (إما أنّهم جعلوا) إخراج مثلهم كإخراجهم فنزّلوا إخراج المماثل لهم منزلة إخراجهم، وإمّا أن المراد وقد قاربنا الإخراج من الديار.
قيل لابن عرفة (أو) أخرجوا منها حقيقة ثم رجعوا إليها وقيل: إنّه على القلب، أي إخراج أبنائنا من ديارنا.
قوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ... .
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي