ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﳿ

قوله تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ رُوي عن الضحّاك والسُّدّيّ وسليمان بن موسى أنه منسوخ بقوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين [ التوبة : ٧٣ ] وقوله تعالى : فاقتلوا المشركين [ التوبة : ٥ ]. ورُوي عن الحسن وقتادة أنها خاصة في أهل الكتاب الذين يُقَرُّونَ على الجزية دون مشركي العرب، لأنهم لا يُقَرُّون على الجزية ولا يُقْبل منهم إلا الإسلام أو السيف. وقيل : إنها نزلت في بعض أبناء الأنصار، كانوا يهوداً فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام ؛ ورُوي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقيل فيه : أي لا تقولوا لمن أسلم بعد حَرْبٍ إنه أسلم مُكْرهَا، لأنه إذا رضي وصحّ إسلامه فليس بمكره.
قال أبو بكر : لا إكراه في الدين أمْرٌ في صورة الخبر، وجائز أن يكون نزول ذلك قبل الأمر بقتال المشركين، فكان في سائر الكفار كقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم [ فصلت : ٣٤ ] وكقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسَنُ السيئة [ المؤمنون : ٩٦ ] وقوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن [ النحل : ١٢٥ ] وقوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً [ الفرقان : ٦٣ ] فكان القتالُ محظوراً في أول الإسلام إلى أن قامت عليهم الحجة بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما عاندوه بعد البيان أُمر المسلمون بقتالهم، فنسخ ذلك عن مشركي العرب بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ] وسائر الآي الموجبة لقتال أهل الشرك، وبقي حكمه على أهل الكتاب إذا أذْعَنُوا بأداء الجزية ودخلوا في حكم أهل الإسلام وفي ذمّتهم. ويدلُّ على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل من مشركي العرب إلاّ الإسلام أو السيف، وجائز أن يكون حكم هذه الآية ثابتاً في الحال على جميع أهل الكفر لأنه ما في مشرك إلاّ وهو لو تَهَّودَ أو تَنَصَّر لم يُجْبَرْ على الإسلام وأقررناه على دينه بالجزية ؛ وإذا كان ذلك حكماً ثابتاً في سائر من انتحل دين أهل الكتاب ففيه دلالة على بطلان قول الشافعي حين قال :" مَنْ تَهَوَّد من المجوس أو النصارى أجبرته على الرجوع إلى دينه أو إلى الإسلام " والآية دالّةٌ على بطلان هذا القول ؛ لأن فيها الأمر بأن لا نُكْرِهَ أحداً على الدين، وذلك عمومٌ يمكن استعماله في جميع الكفار على الوجه الذي ذكرنا.
فإن قال قائل : فمشركو العرب الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأن لا يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السيف قد كانوا مُكْرَهِين على الدِّين، ومعلوم أن من دخل في الدين مُكْرَهاً فليس بمسلم، فما وجه إكراههم عليه ؟ قيل له : إنما أُكْرِهُوا على إظهار الإسلام لا على اعتقاده، لأن الاعتقاد لا يصحّ منّا الإكراهُ عليه ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَقُولوا لا إله إلاّ الله فإذا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلاّ بحَقِّها وحِسابُهُمْ عَلَى الله " فأخبر صلى الله عليه وسلم أن القتال إنما كان على إظهار الإسلام، وأما الاعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى. ولم يقتصر بهم النبي صلى الله عليه وسلم على القتال دون أن أقام عليهم الحجة والبرهان في صحة نبوته، فكانت الدلائلُ منصوبةً للاعتقاد وإظهار الإسلام معاً، لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه إظهاره والقتال لإظهار الإسلام، وكان في ذلك أعظم المصالحِ، منها : أنه إذا أظهر الإسلام وإن كان غير معتقد له فإن مجالسته للمسلمين وسماعه القرآن ومشاهدته لدلائل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ترادُفها عليه تَدْعوه إلى الإسلام وتوضح عنده فساد اعتقاده. ومنها : أن يعلم الله أن في نَسْلهم من يوقن ويعتقد التوحيد، فلم يَجُزْ أن يُقْتلوا مع العلم بأنه سيكون في أولادهم مَنْ يعتقد الإيمان.
وقال أصحابنا فيمن أُكره من أهل الذمة على الإيمان : إنه يكون مسلماً في الظاهر ولا يترك والرجوع إلى دينه، إلاّ أنه لا يقتل إن رجع إلى دينه ويجبر على الإسلام من غير قتل ؛ لأن الإكراه لا يزيل عنه حكم الإسلام إذا أسلم وإن كان دخوله فيه مكرهاً دالاً على أنه غير معتقد له ؛ لما وصفنا من إسلام من أسلم من المشركين بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقوله :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إظهار الإسلام عند القتال إسلاماً في الحكم، فكذلك المكره على الإسلام من أهل الذمة واجبٌ أن يكون مسلماً في الحكم، ولكنهم لم يُقْتلوا للشبهة. ولا نعلم خلافاً أن أسيراً من أهل الحرب لو قُدِّمَ ليُقْتَلَ فأسلم أنه يكون مسلماً، ولم يكن إسلامُه خوفاً من القتل مزيلاً عنه حكم الإسلام، فكذلك الذميّ.
فإن قال قائل : قوله تعالى : لا إكراه في الدين يحظر إكراه الذميّ على الإسلام، وإذا كان الإكراه على هذا الوجه محظوراً وجب أن لا يكون مسلماً في الحكم وأن لا يتعلق عليه حكمه ؛ ولا يكون حكم الذمي في هذا حكم الحربي، لأن الحربي يجوز أن يُكْره على الإسلام لإبائه الدخول في الذمّة، ومن دخل في الذمة لم يَجُزْ إكراهه على الإسلام. قيل له : إذا ثبت أن الإسلام لا يختلف حكمه في حال الإكراه والطَّوْع لمن يجوز إجباره عليه، أشبه في هذا الوجه العِتْقَ والطلاق وسائر ما لا يختلف فيه حُكْمُ جدّه وهَزْله. ثم لا يختلف بعد ذلك أن يكون الإكراه مأموراً به أو مباحاً كما لا يختلف حكم العتق والطلاق في ذلك ؛ لأن رجلاً لو أكره رجلاً على طلاق أو عتاق، ثبت حكمهما عليه وإن كان المُكْرِهُ ظالماً في إكراهه منهيّاً عنه، وكونه منهيّاً عنه لا يبطل حكم العتق والطلاق عندنا، كذلك ما وصفنا من أمر الإكراه على الإسلام.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير