ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﳿ

٢٥٦- قوله تعالى :( لا إكراه في الدين ) |البقرة : ٢٥٦|.
الدين هنا المعتقد والنية(١) بدليل قوله :( قد تبين الرشد من الغي ) (٢) |البقرة : ٢٥٦|. والغي أكثر استعمالهما في الدين. وقد اختلف الناس في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا فقال بعضهم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم فاستأذن الله تعالى في قتالهم فأذن له فالآية على هذا القول مكية منسوخة بآية السيف(٣).
وقال السدي : نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا وذهبا معهم إلى الشام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت الآية ( لا إكراه في الدين ) ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل مكة. وقال : " أبعدهما الله هما أول من كفر ) فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله عز وجل :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) |النساء : ٦٥| ثم إنه نسخ الإكراه في الدين فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة(٤). فالآية على هذا مدنية منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال قتادة وغيره(٥) : هذه الآية خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية عن يد وهم صاغرون. قالوا وأما العرب أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو السيف، فليسوا بداخلين تحت الآية وإنما المراد بها من يجوز أخذ الجزية منهم وهم أهل الكتاب فعلى هذا القول يكره مشركو العرب على الإسلام، دعوا إلى إعطاء الجزية أو لا فإن أبوا فالسيف. وهذا القول يأتي على مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن حبيب في مشركي العرب(٦).
وأما على مذهب مالك الذي يرى قبول الجزية منهم فإنهم داخلون في الآية ولا يكرهون إذا أدوها(٧). وأما قريش والمرتدون فباتفاق أنهم ليسوا بداخلين في هذه الآية على هذا التأويل لأنه لا يجوز أن تؤخذ(٨) الجزية منهم باتفاق ؛ فيسلمون أو يقتلون باتفاق.
وأما أهل الكتاب فباتفاق أنهم داخلون في الآية على هذا |القول|(٩)، بل التأويل لأنه لا خلاف في وجوب قبول الجزية منهم، إلا أني رأيت بعض أشياخ |أهل|(١٠) زماننا يقول : الإمام مخير في أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا بذلوها ورضوا بالذمة فالإمام مخير على قوله ألا يقبلها. ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وحكاه عن بعض أشياخه. ومما احتج به هذا القائل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى ابن مريم –عليه السلام- أنه ينزل فيكسر الصليب ويضع الجزية(١١) قال : وهو لا يأتي إلا بشريعة محمد –عليه السلام-، فلولا أنه في شريعة محمد –عليه السلام- أن الإمام مخير لما جاز له أن لا يقبلها ولو كان قبولها منهم واجبا إذا بذلوها لما جاز له أن يضعها، ولا يأخذها منهم.
وهذا قول غريب لا يتجه إلا على القول الأول إن الآية منسوخة. وأما الاحتجاج بالحديث فيضعف لاحتمال أن قوله " يضع الجزية " أن يريد وضعها عليهم حتى لا يبقى منهم أحد إلا تحت الجزية. ويحتمل أن يريد ويسقطها ولا يرضى منهم إلا بالإسلام.
وحكى ابن حزم الإجماع على أنه تحرم دماؤهم إذا بذلوا الجزية(١٢)، وهو ظاهر قوله تعالى :( حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون ) |التوبة : ٢٩| وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إلى قتالهم، أمر أن يدعوا إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا دعوا إلى الجزية، فإن أجابوا، وإلا فالسيف(١٣). والمجوس مثلهم لأنه صلى الله عليه وسلم قال : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١٤) وهم أهل كتاب على قول، فلا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية باتفاق على القول(١٥).
وقوله تعالى :( لا إكراه في الدين ) |البقرة : ٢٥٦| لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي(١٦)، فإن أكره أحد ممن ذكرنا إنه لا يكره على الإسلام فهل ينعقد إسلامه ولا يكون عنه رجوع أم لا ؟. ففيه في المذهب قولان. والشافعي يقول لا يصح إسلامه، وأبو حنيفة(١٧) يقول يصح ويحكم به.
والخلاف في المسألة مبني على أن النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا ؟ فإذا قلنا إنه يدل على الفساد فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك(١٨) فكأنهم لم يسلموا، فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه. وإن قلنا إنه يدل على الصحة كما قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قتل، وإن قلنا إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل(١٩).
وقد وقعت هذه المسألة في زمن الفتنة عندنا بالأندلس(٢٠)، وقد كتب إلى أبي –رضي الله عنه- بعض ولاة الكور فأجابه بأنهم لا يمكنون من الرجوع عن الإسلام.
وقال ابن عباس وغيره : إنما نزلت الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتا لا يعيش لها ولد(٢١) تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان من بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا إذ قد فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه. وأما إذا جاء |الله|(٢٢) بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت :( لا إكراه في الدين ) الآية.
وبهذا قال الشعبي ومجاهد : إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع(٢٣).

١ كذا في أ و ب وفي المحرر الوجيز (٢/١٩٥): "الملة"..
٢ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٥)..
٣ يراجع في هذا جامع البيان للطبري (٣/٢٤) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/١٩٧)..
٤ رواه الطبري في تفسيره (٣/٢٢/ رقم ٥٨٢٠) وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن وأبو داود في الناسخ والمنسوخ كما في العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص٤٣٠) من طريق أسباط، عن السدي. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٧)..
٥ يراجع قول قتادة في تفسير الطبري (٣/٢٣، ٢٤) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٧، ١٦٨) وللهراسي (١/٢٢٣)..
٦ ونسب ابن عبد البر هذه القول زيادة على ذلك إلى أبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد كما في التمهيد (٢/١١٨) والمحرر الوجيز (٢/١٩٦)..
٧ يراجع قول مالك في التمهيد (٢/١١٧، ١١٨) والمحرر الوجيز (٢/١٩٦)..
٨ في ب "أخذ"..
٩ كلاهما زيادة من ب..
١٠ كلاهما زيادة من ب..
١١ أخرجه البخاري في البيوع (٢٢٢٢). ومسلم في الإيمان (١٥٥)..
١٢ يراجع المحلى (١١/٣٠٤) ومراتب الإجماع (ص ١٢٠، ١٢٢)..
١٣ أخرجه مالك في الموطأ بهذا اللفظ في الزكاة (١/٣٧٥/٧٥٦) وسنده منقطع بينه ابن عبد البر في التمهيد (٢/١١٤) وابن حجر في الفتح (٦/٢٦١) ولكن معناه ثابت عند البخاري (٣١٥٧)..
١٤ يراجع في هذا البخاري في التوحيد (٧٣٧٢) ومسلم في الإيمان (١٩)..
١٥ يراجع في هذا التمهيد لابن عبد البر (٢/١١٨، ١١٩) وفتح الآري (٦/٢٥٩ -٢٦٦)..
١٦ كما في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٨)..
١٧ يراجع قولهما في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٨، ١٦٩) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٣ -٢٢٥)..
١٨ في ب "إذا كان كذلك..""..
١٩ تراجع هذه المسألة في أحكام الفصول للباجي (ص ٢٢٨ – ٢٣٠) والمستصفى للغزالي (٣/١٩٩ -٢٠٣) وإرشاد الفحول للشوكاني (ص ١١٠ -١١٢)..
٢٠ هي من جملة الثورات العارمة التي عصفت بالأندلس في النصف الأول من القرن السادس للهجرة أبان ضعف حكم المرابطين (سنة ٥٣٩ ه) يراجع ترجمة والد المؤلف في التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (٢/٣٧ -٣٩/ رقم ١٠٢) وبغية الملتمس للضبي (ص ١٠٢/ رقم ١٩٦)..
٢١ أو التي ليس لها إلا لها ولد واحد يراجع اللسان مادة "قلت" (٥/٣٧١٥، ٣٧١٦)..
٢٢ زيادة من المحرر الوجيز وسقطت من أ و ب ثم وجدتها في ن..
٢٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٦، ١٩٧) ورواه عنهما الطبري في تفسيره (٣/٢٠١) وأخرجه غيره فيراجع العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٢٨، ٤٢٩)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير