ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ ﳿ

ولمَّا وصف الحيُّ تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء، والعظمة والجلال وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبيَّن الحق من الباطل، فقال :
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قلت : الرُشْد : مصدر رَشُد، بالكسر والضم، رشداً ورشاداً، و الغي : مصدر غَوَى، إذا ضلَّ مُعْتَقَدِه، و الطاغوت : فعلوت من الطغيان، وأصله : طغيوت، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفاً. وهو كل ما عُبد من دون الله راضياً بذلك، و العروة : ما تستمسك به اليد عند خوف الزلل كالحبل ونحوه، ووثوقها : متانتها، وانفصامها أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم في اللغة : أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يَبِين، فإذا بان فهو القَصْم - بالقاف - وهو هنا استعارة للدّين الصحيح.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في شأن رجلًٍ من الأنصار، تَنَصَّر ولدَاه قبل البَعْثَة فلما جاء الإسلامُ قَدِمَا إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا، فَلزمَهُمَا أبوهُما وقال : والله لا أدِعكما حتى تُسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : لا إكراه في الدين ، فهو خبر بمعنى النهي، أي : لا تُكرهوا أحداً على الدخول في الدين. وهو خاص بأهل الكتاب.
قال البيضاوي : إذ الإكراه في الحقيقة هو : إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً، ولكن قد تبين الرشد من الغي أي تميّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، والكفر غيّ يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. ه.
فمن يكفر بالطاغوت أي : يبعد عنها ويجحد ربوبيتها ويؤمن بالله أي : يصدق بوحدانيته، ويقر برسله، فقد استمسك بالعروة الوثقى أي : فقد تمسك بالدين المتين، لا انقطاع له أبداً، والله سميع بالأقوال، عليم بالنيات، فإنَّ الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجَنَان، فحسن التعبير بصفة السمع والعلم. والله تعالى أعلم.
الإشارة : قال في الحكم :" لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك ". وقال أحمد بن حضرويه : الطريق واضح، والحق لائح، والداعي قد أَسْمَع، ما التحير بعد هذا إلا من العمَى. ه. فطريق السير واضحة لمن سبقت له العناية، باقية إلى يوم القيامة، وكل ما سوى الله طاغوت، فمن أعرض عن السَّوَى، وعلق قلبه بمحبة المولى، فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها على طول المدى، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير