ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

هذه الآيات الثلاث تتناول موضوعا واحدا في جملته : سر الحياة والموت، وحقيقة الحياة والموت. وهي بهذا تؤلف جانبا من جوانب التصور الإسلامي ؛ يضاف إلى القواعد التي قررتها الآيات السابقة منذ مطلع هذا الجزء ؛ وتتصل اتصالا مباشرا بآية الكرسي وما قررته من صفات الله تعالى.. وهي جميعا تمثل جانبا من جوانب الجهد الطويل المتجلي في القرآن الكريم لإنشاء التصور الصحيح لحقائق هذا الوجود في ضمير المسلم وفي إدراكه. الأمر الذي لا بد منه للإقبال على الحياة بعد ذلك إقبالا بصيرا، منبثقا من الرؤية الصحيحة الواضحة، وقائما على اليقين الثابت المطمئن. فنظام الحياة ومنهج السلوك وقواعد الأخلاق والآداب.. ليست بمعزل عن التصور الاعتقادي ؛ بل هي قائمة عليه، مستمدة منه. وما يمكن أن تثبت وتستقيم ويكون لها ميزان مستقر إلا أن ترتبط بالعقيدة، وبالتصور الشامل لحقيقة هذا الوجود وارتباطاته بخالقه الذي وهبه الوجود.. ومن ثم هذا التركيز القوي على إيضاح قواعد التصور الاعتقادي الذي استغرق القرآن المكي كله ؛ وما يزال يطالع الناس في القرآن المدني بمناسبة كل تشريع وكل توجيه في شؤون الحياة جميعا.
ثم تجيء التجربة الثالثة. تجربة إبراهيم أقرب الأنبياء إلى أصحاب هذا القرآن :
( وإذ قال إبراهيم : رب أرني كيف تحيي الموتى. قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ! ولكن ليطمئن قلبي. قال : فخذ أربعة من الطير، فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم )..
إنه التشوف إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية. وحين يجيء هذا التشوف من إبراهيم الأواه الحليم، المؤمن الراضي الخاشع العابد القريب الخليل.. حين يجيء هذا التشوف من إبراهيم فإنه يكشف عما يختلج أحيانا من الشوق والتطلع لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين !
إنه تشوف لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله واستقراره ؛ وليس طلبا للبرهان أو تقوية للإيمان.. إنما هو أمر آخر، له مذاق آخر.. إنه أمر الشوق الروحي، إلى ملابسة السر الإلهي، في أثناء وقوعه العملي. ومذاق هذه التجربة في الكيان البشري مذاق آخر غير مذاق الإيمان بالغيب ولو كان هو إيمان إبراهيم الخليل، الذي يقول لربه، ويقول له ربه. وليس وراء هذا إيمان، ولا برهان للإيمان. ولكنه أراد أن يرى يد القدرة وهي تعمل ؛ ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيستروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها.. وهي أمر آخر غير الإيمان الذي ليس بعده إيمان.
وقد كشفت التجربة والحوار الذي حكي فيها عن تعدد المذاقات الإيمانية في القلب الذي يتشوف إلى هذه المذاقات ويتطلع :
( وإذ قال إبراهيم : رب أرني كيف تحيي الموتى. قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ! ولكن ليطمئن قلبي )..
لقد كان ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية يد الله تعمل ؛ واطمئنان التذوق للسر المحجب وهو يجلى ويتكشف. ولقد كان الله يعلم إيمان عبده وخليله. ولكنه سؤال الكشف والبيان، والتعريف بهذا الشوق وإعلانه، والتلطف من السيد الكريم الودود الرحيم، مع عبده الأواه الحليم المنيب !
ولقد استجاب الله لهذ الشوق والتطلع في قلب إبراهيم، ومنحه التجربة الذاتية المباشرة :
( قال : فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ؛ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ؛ ثم ادعهن يأتينك سعيا. واعلم أن الله عزيز حكيم )..
لقد أمره أن يختار أربعة من الطير، فيقربهن منه ويميلهن إليه، حتى يتأكد من شياتهن ومميزاتهن التي لا يخطىء معها معرفتهن. وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن، ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة. ثم يدعوهن. فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى، وترتد إليهن الحياة، ويعدن إليه ساعيات.. وقد كان طبعا..
ورأى إبراهيم السر الإلهي يقع بين يديه. وهو السر الذي يقع في كل لحظة. ولا يرى الناس إلا آثاره بعد تمامه. إنه سر هبة الحياة. الحياة التي جاءت أول مرة بعد أن لم تكن ؛ والتي تنشأ مرات لا حصر لها في كل حي جديد.
رأى إبراهيم هذا السر يقع بين يديه.. طيور فارقتها الحياة، وتفرقت مزقها في أماكن متباعدة. تدب فيها الحياة مرة أخرى، وتعود إليه سعيا !
كيف ؟ هذا هو السر الذي يعلو على التكوين البشري إدراكه. إنه قد يراه كما رآه إبراهيم. وقد يصدق به كما يصدق به كل مؤمن. ولكنه لا يدرك طبيعته ولا يعرف طريقته. إنه من أمر الله. والناس لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وهو لم يشأ أن يحيطوا بهذا الطرف من علمه، لأنه أكبر منهم، وطبيعته غير طبيعتهم. ولا حاجة لهم به في خلافتهم.
إنه الشأن الخاص للخالق. الذي لا تتطاول إليه اعناق المخلوقين. فإذا تطاولت لم تجد إلا الستر المسدل على السر المحجوب. وضاعت الجهود سدى، جهود من لا يترك الغيب المحجوب لعلام الغيوب !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير