ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

على أنه- مع هذا- يمكن أن يقال إن المائة عام هى الزمن المناسب لتلك التجربة، إذ أن هذه المدة كافية لتغير وجه الحياة تغيرا واضحا، وخاصة فى الوجه البشرى منها، فمئة عام يمكن أن تأتى فى نهايتها على كل من كان حيّا من الناس فى أولها.. وبهذا يكون هذا الرجل الواقع تحت التجربة فى الأموات حكما، بعد أن كان فيهم فعلا وقد أماته الله.. وبهذا أيضا يكون كل من كان على ظهر الأرض من الناس حين قال الرجل قولته: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها» قد مات فى نهاية المائة عام، فلما بعثه الله من بينهم وحده، كان بعثه شاهدا على إمكان بعثهم جميعا، وشاهدا على إمكان بعث من سبقهم، ومن سيلحق بهم..
الآية: (٢٦٠) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
التفسير: في هذه الآية صورة أخرى، تمثل المؤمن الذي يطلب المزيد من الإيمان، ليقتل فى نفسه كل وسواس، وليخمد فى صدره كل همسة من همسات الشيطان!.. ثم هى مثل آخر لمن كان وليّا لله.: يخرجه من الظلمات إلى النور.
وهذا الموقف- كما قلنا- لا ينتقص من إيمان المؤمن، إذ كانت غايته طلب المزيد من النور، والجديد من العلم. فذلك طريق لا نهاية له، ولا ضلالة فيه!

صفحة رقم 330

وقضية الموت والبعث هى القضية الأولى فى باب الإيمان، وهى الثغرة التي تنفذ منها رميات الشيطان إلى قلوب المؤمنين! وإبراهيم- عليه السّلام- فى وثاقة إيمانه، وقوة يقينه- لا عليه إذا هو وجد طريقا إلى مزيد من الإيمان، حتى يمتلىء به قلبه، فلا يبقى فيه مكان لم يغمره نور اليقين، ولم تعمره الطمأنينة- لا عليه أن يطلب المزيد حتى يرتوى ريّا لا ظمأ بعده! وقد وجد أن ألطاف الله تحف به، ونفحاته ورحماته لا تنقطع عنه، فهفت نفسه إلى أن يسأل الله هذا السؤال الذي يشهد به جلال الله وعظمته من قريب:
«رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟» وقد سأل موسى عليه السّلام سؤالا أعظم من هذا، فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (١٤٣ الأعراف).
والسؤال «بكيف» لا يكون جوابه إلا بأن يشهد إبراهيم عملية الإحياء وكيف تتم هذه العملية، والعناصر التي تعمل فيها.. وأمر كهذا هو فوق مستوى الإدراك البشرى، إنه سرّ من أسرار الألوهية، لا يستطيع أحد أن يحتمله، أو يعرف السبيل إليه.
ومن أجل هذا كان الجواب آخذا اتجاها آخر غير متجه السؤال.. فيه عرض لقدرة الله، دون كشف عن سرّ هذه القدرة.. وذلك بما رأى إبراهيم بين يديه من تجليات هذه القدرة وآثارها.
وفى قوله تعالى لإبراهيم: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟» إثارة لمشاعر إبراهيم، واستحضار للإيمان الذي يعقد عليه قلبه.. ولهذا كان جواب إبراهيم:
«بلى» أي أنا مؤمن كل الإيمان «وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» وتلك درجة فوق درجة الإيمان.. إذ لا سلطان للإنسان على قلبه، وليس من شأن القلب

صفحة رقم 331

أن يستقر على حال واحدة فى جميع الأحوال، لما يموج فيه من شتى المشاعر، ومختلف العواطف والنزعات.. واطمئنان القلب اطمئنانا مطلقا أمر يكاد يكون مستحيلا، لا يبلغه إلّا المصطفين من عباد الله!، بعد إبتلاء ومجاهد..
وقوله تعالى: «قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً».
هو كشف عن تجربة يجريها إبراهيم بنفسه، ويصنعها بيده، ويشهد آثارها بعينه.
وتمر التجربة فى مراحل:
١- أن يأخذ إبراهيم أربعة من الطير.
٢- أن يضمها إليه، ويتعرّف عليها، ويجعل لكل منها سمة خاصة يدعوها بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ» أي تألفهن إليك.
٣- أن يقطعهنّ قطعا، ويمزقهنّ أشلاء.
٤- أن يوزع أشلاءها على رءوس الجبال.
٥- ثم يدعوها إليه بأسمائها، كما يدعو أهله ومعارفه بأسمائهم!.
وبهذا تتم التجربة، وتجىء الطيور الأربعة مسرعة!.
وقد كان.. فتمت التجربة على هذا التدبير والتقدير!.
هذا، وفى الحديث عن الطير بنون النسوة ومعاملتها معاملة المؤنث العاقل، ما يدل على أنها كانت فى خضوعها لإبراهيم، واستجابتها لندائه، تفعل فعل العقلاء، وتتصرف تصرف من يعى ويعقل! وهذا يعنى أنها عند ما دعيت استجابت للدعوة فى غير توقف أو تردد! لأنها تعرف وجه الذي دعاها، وتفهم مدلول كلماته.

صفحة رقم 332

التفسير القرآني للقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم يونس الخطيب

الناشر دار الفكر العربي - القاهرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية