يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} أي: على ثواب شيء (١) وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم (٢).
٢٦٥ - قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ الآية. هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، وقوله (٣): وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أي: مثل نفقتهم أو إنفاقهم، فحذف المضاف كقولهم: يا خيل الله اركبي (٤).
وقوله تعالى: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال الزجاج: أي: وينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها (٥).
فعلى هذا يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم لثوابها، يعني: أنهم أيقنوا أن الله يثيب عليها فيثبتوا (٦) ذلك الثواب، بخلاف المنافق فإنه ينفق رياء (٧) ولا يحتسب، ولا يؤمن بالثواب، وعلى هذا المعنى دارت أقوال المفسرين.
فقال السدي (٨) وأبو صالح (٩) وابن زيد (١٠): يقينًا.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٤٧.
(٣) في (ي): (فقوله).
(٤) ينظر في إعراب الآية: ما تقدم في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٧.
(٦) في (ش) و (ي): (فثبتوا).
(٧) في (ش): (رياء الناس).
(٨) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٢٠، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٨٥، وابن الجوزية في "زاد المسير" ١/ ٣١٩.
(٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٦٩.
(١٠) ذكره في "النكت والعيون" ١/ ٣٣٩، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٨٥، وفي "الوسيط" ١/ ٣٧٩.
وقال الشعبي (١) والكلبي (٢): يعني: تصديقًا من أنفسهم، يعلمون أن ما أَخْرجوا خيرٌ لهم مما تركوا. وقال بعضهم: التثبيت، هاهنا، بمعنى: التثبت، وهو مذهب عطاء ومجاهد والحسن، قال عطاء (٣) ومجاهد (٤): يتثبت في صدقته، فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، فهذا تثبت في طلب من يصرف إليه المال. وقال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإن خالطه شك أمسك (٥). وإنما جاز أن يكون التثبيت بمعنى التثبت؛ لأنهم ثبتوا أنفسهم تثبيتًا في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، فكانوا متثبتين، كما أن من صرف نفسه عن شيء فهو منصرف، وصح أن يقال: انصرف عنه، كذلك هؤلاء لما ثبتوا أنفسهم جاز أن يقال: تثبتوا (٦).
وقوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ (٧) الرَّبْوة: ما ارتفع من
(٢) ذكره أبو المظفر السمعاني ٢/ ٤٢٨، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٨٥، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٢٨، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٣٧٩.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٨٦، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٢٨، والرازي ٧/ ٦٠.
(٤) رواه ابن زنجويه في "الأموال" ٣/ ١٢٢٠، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٦٩، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٢٠.
(٥) رواه ابن زنجويه في "الأموال" ٣/ ١٢٢١، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٧٠، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٢٠ بمعناه.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٨٦.
(٧) قرأ عاصم وابن عامر (برَبوة) بفتح الراء، وقرأ الباقون بضم الراء. ينظر "السبعة" ١٩٠.
الأرض، وفيها لغات: رُبْوة ورَبْوة ورِبْوة ورَباوة ورِباوَةٌ ورُباوة (١).
قال الأخفش والذي نختاره: رُبْوَةٌ بالضم (٢)، لأنك لا تكاد تسمع في جمعها غير الرُّبَى، وأصلها من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو: إذا زاد وارتفع، ولهذا يقال لها: الرَّابِيَة؛ لأن أجزاءها ارتفعت عن صفحة المكان الذي هي بها (٣)، ومن هذا يقال: أصابه رَبْوٌ: إذا أصابه نفسٌ في جوفه لزيادة النفس على عادته، ومن هذا أيضًا: الربا في المال؛ لأنه معاملة على أن يأخذ أكثر مما يُعطي، وإنما خصت الجنة بأنها على ربوة؛ لأن الموضع المرتفع من الأرض إذا كان له ما يُرَوِّيْهِ من الماء فهو أكثرُ ريعًا من المستفل، ونَبْتُه يكونُ أحسن، وأنضر ما تكون الجنان والرياض على الرُّبى، قال الأعشى:
| ما رَوْضَةٌ (مِنْ رِياضِ) (٤) الحَزْنِ (٥) مُعْشِبَةٌ | خَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ |
(٢) نقله عنه في "الحجة" ٢/ ٣٨٥، "المفردات" ص١٩٣.
(٣) من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ٣٨٦.
(٤) سقطت من (ش).
(٥) في (م) و (ي): (الحسن)، وفي (ش): (الحي).
(٦) في (م): (الحسن)، وفي (ش): (الجون).
(٧) البيت في "ديوانه" ص ١٤٥، "لسان العرب" ١/ ٤٢٨ (مادة: ترع)، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٣٥، وينظر: "المعجم المفصل" ٦/ ٢٤٠.
(٨) ينظر في ربو: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٣٤، "المفردات" ١٩٣، "اللسان" ٣/ ١٥٧٣.
وقوله تعالى: أَصَابَهَا وَابِلٌ وهو أشد المطر.
فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ الأُكُل: ما يؤكل، قال الله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] أي: ثمرتها وما يؤكل منها، فالأُكُلُ في المعنى مثل الطُعمة، تقول: جعلته أُكْلًا له، كما تقول جعلته له (١) طُعمة (٢). وأنشد الأخفش:
| فما أُكْلَةٌ إن نِلْتُها بغَنِيمَة | ولا جَوْعةٌ إن جُعْتُها بغَرام (٣) |
قال المفسرون: الأُكل: المراد به الثمر.
وقوله تعالى: ضِعْفَيْنِ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين (٩).
(٢) من "الحجة" ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ بتصرف.
(٣) ورد البيت في "تفسير الطبري" ٥/ ٥٣٨، ونسبه محققه إلى أبي مضرس النهدي، ينظر: "تفسير الطبري" ٥/ ٥٣٨، "الحجة للقراء السبعة" ٢/ ٣٩٥.
(٤) في (ي) (له).
(٥) في (ي) (ذو).
(٦) نقله عنه في "الحجة" ٢/ ٣٩٥.
(٧) وفي الآية قراءتان على اللغتين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بسكون الكاف، وقرأ الباقون بضمها. ينظر: "السبعة" ص ١٩٠، "الحجة" ٢/ ٣٩٤.
(٨) ينظر في أكل: "تهذيب اللغة"١/ ١٧٦ - ١٧٧، "الحجة" ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، "المفردات" ص ٢٩، "اللسان" ١/ ١٠٠ - ١٠٣.
(٩) ذكره عن عطاء: الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٩٠، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٢٨، وفي "الوسيط" ١/ ٣٧٩، وفي بعض نسخ الثعلبي في "تفسيره": سنين بدل سنتين.
وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ أي: فالذي يُصِيبها طَلٌّ، وهو المطر اللِّينُ الصغارُ القَطْر، يقال: طَلَّت السماء تَطُلُّ طَلًّا فهي طَلَّة، وطُلَّتِ الأرض فهي مَطْلُولة، وروضة طَلَّةٌ نَدِيَّة، وتقول العرب في الدعاء: رحُبَت عليك الأرض وطُلَّت، بضم الطاء، ومن نصب الطاء أراد: وطَلَّت عليك السماء (١).
فإن قيل: كيف قيل فيما مضى فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ قيل: فيه إضمار المعنى: فإن يكن لم يصبها وابل فطل، ومثله من الكلام: قد أعتقت عبدين، فإن لم أعتق اثنين فواحدًا بقيمتهما، المعنى: إن أكن لم أعتق، قاله الفراء (٢).
وتم المعنى عند قوله: فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ثم زاد تأكيدًا وزيادة معنى فقال: فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ وأصابها طلٌّ فتلك حالها في الثراء وتضاعف الثمرة لا ينقص بالطل عن مقدارها بالوابل، وفي الكلام إضمار لا يتم المعنى إلا به، كأنه قيل: فإن لم يصبها وابل وأصابها طل فتلك حالها، فحذف لأن الباقي يدل عليه، تقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال ولا يخيب صاحبها، قلّ المطر أو كثر، كذلك يضعف (٣) الله عز وجل ثواب صدقة المؤمن المخلص، سواء قلت نفقته وصدقته أم (٤) كثرت (٥).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٨، وينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٣١٢.
(٣) في (ش): (يضاعف).
(٤) في (م): (أو).
(٥) الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٩٢، "البحر المحيط" ٢/ ٣١٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي