ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

خوطب هناك باللفظ الأخص الدال على إباحة الأكل بعقب السكنى ليكون الكلام تأسيسا مقيدا.
وأجاب الفخر في درة التنزيل: بأن الأكل من الموضع لا يكون إلا بعد دخوله له إما قبل سكناه أو بعده والأعراف وردت بعد قوله: اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً (خطابا للشيطان) ثم قال: وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة معناه: ادخلْها أنت دخول سكنى وهي الإقامة مع طول مكث فناسب العطف بالفاء لأن (الدّخول) متقدم في الرتبة على الأكل وآية البقرة لم يتقدم فيها ما يدل على الدخول، فالمراد اسكن حقيقة.
وتأخر الأكل على السكنى ليس بلازم.
قوله تعالى: حَيْثُ شِئْتُمَا...
قال ابن عرفة: / قالوا: إنه على التوزيع أي يأكل واحد منكما من حيث شاء، لأن الأكل متوقف على اجتماعهما معا على المشيئة لأن المضمرات عندنا كلية (وصيغة) الأمر هنا للامتنان، وعبر عنه ابن عطية بالإذن.
قال الشيخ الفخر: إمّا للندب أو الإباحة والظاهر ما قلناه.
قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ
قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: إن الله لما أراد النّهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل والقرب منه.
قال ابن عطية: وهذا مثال لسد الذرائع.
قال ابن عرفة: فرق بين سد الذرائع وبين النّهي عن الشيء لأجل غيره وهو النهي عما هو سبب في غيره، فسد الذرائع هو الامتناع مما لم ينه عنه خشية الوقوع في ما نهى عنه، ومنها (بياعات) الآجال المختلف فيها التي هي ذريعة للوقوع في المحرم ولولا أنّها مختلف فيها ما كان ذريعة فالذريعة (هنا) هو أن يقارب قرب الأكل من الشجرة لأنه نهى عن قرب القرب.
قال ابن الخطيب: والنّهي على الكراهة.
قال ابن عرفة: بل على التحريم لقوله وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى والظلم الخروج عن الحد إما بكفر أو ارتكاب أمور أدناها الصّغائر.
قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا
أي فسكنا، وأكلا حيث شَاءَا، فأَزَلَّهُمَا، فسَّرُوهُ بأمرين إما (أوقعهما) في الزلَّة والإثم فالضمير في «عنها» للجنة، أو للشجرة فهو معنوي، وإما حسي من الزوال فالضمير في «عنها» للجنّة.
وقرأ حمزة، فَأَزَلَّهُمَا وهو نص في الزوال الحسي فتكون (مرجّحة) (لإرادته) في القراءة الأولى.

صفحة رقم 103

قال ابن عطية: لما دخل إبليس لآدم سأله عن حاله فقال (له): ما أحسن هذا لو أن خلدا (كان) فوجد به السبيل إلى إغوائه.
قال ابن عرفة: هذا إلهام (للنطق) بما وقع في الوجود حيث قال ابليس هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد كما قال
يعقوب عليه السلام لبنيه وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ فقالوا له: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذئب (وكما قال الشاعر:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى)
إنّ البلاء موكل بالمنطق
وأكله من الشجرة إما لظنه أنّ النهي للكراهة أو المنهي عنها شجرة واحدة بالشخص وهذه من نوعها فقط.
زاد ابن عطية: إن حواء سقته الخمر فأكل في حال السكر.
قيل لابن عرفة: خمر الجنة لا يسكر فقال: إن تلك الجنة (التي) من دخلها (يؤمّن) من الخروج (منها) ولعلّ هذه إذ ذاك (كان) خمرها مسكرا.
قلت: أو كان الخمر من غيرها وأدخل (فسقي منها) قال: ومذهب مالك أنّ جميع ما يصدر عن السّكران من طلاق وقذف وقتل وزنا وسرقة كلّه يلزمه ويؤاخذ به وهي (أول) مسألة في العتبية من النكاح الأول.
قيل له: إنما هذا اللزوم بعد تحريم الخمر وقد كانت حينئذ حلالا فيعذر شاربها؟
فقال: حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت جميع الملل عليها فالسّكر حرام وإنما يجوز فيها ما لا يسكر.
قوله تعالى: وَقُلْنَا اهبطوا... .
الأنسب أن يكون الخطاب بواسطة وهو الأغلب فيمن يواقع الأمر المرجوح.
قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
ابن عطية: هو في موضع الحال فألزمه أبو حيان أن تكون العداوة مأمورا بها لأن الحال داخله في الأمر.
وأجاب ابن عرفة: بأن ذلك حيث يكون الحال غير (واقعة) حين الخطاب بالأمر (إلا) إذا كانت واقعة فالأمر بها تحصيل الحاصل كقولك: وزيد (ضاحك). أكرم زيدا ضَاحِكا. والعداوة حينئذ بين آدم وإبليس موجودة. أو تقول: إنها مأمور بها ولا يلزم عليه شيء لكن هذا إن كان إبليس داخلا في الأمر.
قال ابن عطية: المخاطب بالهبوط آدم وحواء وإبليس والحية؟

صفحة رقم 104

تفسير ابن عرفة

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي

تحقيق

جلال الأسيوطي

الناشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة الأولى، 2008 م
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية