ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

وقال فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ [ ٣٢ء ] وذلك أن " إمّا " في موضع المجازاة وهي " إما " لا تكون " أَمَا " وهي " إنْ " زيدت معها " ما " وصار الفعل الذي بعدها بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلة وقد يكون بغير نون. وإنَّما حسنت فيه النون لما دخلته " ما " لأنَّ " ما " نفي وهو ما ليس بواجب وهي من الحروف التي تنفي الواجب فحسنت فيه النون نحو قولهم " بِعينٍ مّا أَرَيَنَّك " حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون. ومثل " إمّا " ها هنا قوله فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً وقوله قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ [ ٩٣ ] رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فالجواب في قوله فَلاَ تَجْعَلْنِي . وأشباه هذا في القرآن والكلام كثير. وأما " إمّا " في غير هذا الموضع الذي يكون للمجازاة فلا تستغني حتى ترد " إمّا " مرتَيْن نحو قوله إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ونحو قوله حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ وإنما نصب لأنّ " إمّا " هي بمنزلة " أوْ " ولا تعمل شيئاً كأنه قال " هَدَيْناهُ السبيلَ شاكراً أوْ كَفُورا " فنصبه على الحال و " حتى رَأَوْا ما يُوعَدُون العذابَ أَوْ الساعة " فنصبه على البدل.
وقد يجوز الرفع بعد " إمّا " في كل شيء يجوز فيه الابتداء [ و ]* لو قلت : " مررت برجل إمّا قاعدٍ وإمّا قائمٍ " جاز. وهذا الذي في القرآن جائز أيضا، ويكون رفعا إلا انه لم يقرأ.
وأما التي تستغني عن التثنية فتلك تكون مفتوحة الألف [ ٣٢ب ] أبدا نحو قولك " أَمّا عبد الله فمنطلق " وقوله فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ [ ٩ ] وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ و وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ . فكلُّ ما لم يحتج فيه إلى تثنيةِ " أَمّا " فألفها مفتوحة إلا تلك التي في المجازاة.
و " أَمّا " أيضا لا تعمل شيئا ألا ترى انك تقول وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ فتنصبه ب " تنهر " ولم تغيّر " أمّا " شيئا منه.

باب الإضافة.


أما قوله فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ( ٣٨ ) فانفتحت هذه الياء على كل حال لان الحرف الذي قبلها ساكن. وهي الألف التي في " هُدَى ". فلما احتجت إلى حركة الياء حركتها بالفتحة لأنها لا تحرك إلا بالفتح. ومثل ذلك قوله عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ولغة للعرب يقولون " عصَيَّ يا فَتى " و هُدَيَّ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لما كان قبلها حرف ساكن وكان ألفا، قلبته إلى الياء حتى تدغمه في الحرف الذي بعده فيجرونها مجرى واحدا وهو أخف عليهم. وأما قوله هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ و هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [ و ] ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ . فإنما حركت بالإضافة لسكون ما قبلها وجعل الحرف الذي قبلها ياء ولم يقل " عَلايَ " ولا " لَدايَ " كما تقول " على زيد " و " لدى زيد " ليفرقوا بينه وبين الأسماء، لان هذه ليست بأسماء. و " عَصايَ " و " هُدايَ " [ ٣٣ء ] و " قَفايَ " أسماء. وكذلك أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ و يا بُشْرَايا هذا غُلاَمٌ لأنَّ آخر " بُشْرى " ساكن. وقال بعضهم يا بُشْراي هذا غلام لا يريد الإضافة، كما تقول " يا بشارة ".
فإذا لم يكن الحرف ساكنا كنت في الياء بالخيار، إن شئت أسكنتها وان شئت فتحتها نحو إِنِّيْ أَنَا اللَّهُ و إِنِّي أَنَا اللَّهُ ، و وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيْ مُؤْمِناً و بَيْتِيَ [ و ] فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِيْ إِلاَّ فِرَاراً و دُعَائِي إِلاَّ . وكذلك إذا لقيتها ألف ولام زائدتان فان شئت حذفت الياء لاجتماع الساكنين وان شئت فتحتها كيلا يجتمع حرفان ساكنان. إلا أن أحسن ذلك الفتح نحو قول الله تبارك وتعالى جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي و نِعْمَتِيَ الَّتِي وأشباهِ ذا. وبه نقرأ. وإنْ لقيته أيضا ألف وصل بغير لام فأنت فيه أيضاً بالخيار إلاّ أَنَ أحسنه في هذا الحذف وبها نقرأ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ و هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي .
فإذا كان شيء من هذا الدعاء حذفت منه الياء نحو يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ و رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ و رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ .
ومن العرب من يحذف هذه الياءات في الدعاء وغيره من كل شيء. وذلك قبيح قليل إلا ما في رؤوس الآيْ، فانه يحذف الوقف. [ ٣٣ب ] كما تحذف العرب في أشعارها من القوافي نحو قوله :[ من الطويل وهو الشاهد الرابع والأربعون ] :
[ أَبا مُنْذِرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا ] حنانيكَ بعضُ الشرِّ أَهونُ من بَعْضِ
وقوله :[ من الوافر وهو الشاهد الخامس والأربعون ] :
[ ألا هُبِّي بِصَحْنِكِ فاصبَحينا ] وَلا تُبْقِي خُمورَ الأنْدَرينَ
إذا وقفوا فإذا وصلوا قالوا : " من بعض " و " الأنْدرينا " وذلك في رؤوس الآي كثير نحو قوله بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ [ و ] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ . فإذا وصلوا أثبتوا الياء. وقد حذف قوم الياء في السكوت والوصل وجعلوه على تلك اللغة القليلة وهي قراءة العامة وبها نقرأ لان الكتاب عليها.
وقد سكت قوم بالياء ووصلوا بالياء، وذلك على خلاف الكتاب، لان الكتاب ليست فيه ياء وهي اللغة الجيدة. وقد سمعنا عربيا فصيحا ينشد :[ من الطويل وهو الشاهد السادس والأربعون ] :
فما وَجَدَ النَّهْدِيُ وَجْداً وَجَدْتُهُ ولا وَجَدَ العُذْرِيُّ قبلِ جَمِيلُ
يريد " قبلِي " فحذف الياء. وقد أعمل بعضهم " قَبْل " إعمال ما ليس فيه ياء فقال : " قبلُ جميل " وهو يريد " قبلي ". كما قال بعضُ العرب " يا ربُّ اغفِر لي " فرفع وهو يريد " يا ربّي ".
وأما قوله وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ و أَضَلُّونَا السَّبِيلاْ فتثبت فيه الألف لأنهما رأس آية، لان قوما من العرب يجعلون أواخر القوافي إذا سكتوا عليها على مثل حالها إذا وصلوها وهم أهل الحجاز. [ ٣٤ء ] وجميع العرب إذا ترنموا في القوافي أثبتوا في أواخرها الياء والواو والألف. وأما قوله يا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ فأنث هذا الاسم بالهاء كقولك " رجُلٌ رَبْعَةٌ " و " غُلامٌ يَفَعَةٌ ". أو يكون ادخلها لما نقص من الاسم عوضا. وقد فتح قوم كأنهم أرادوا " يا أبتا " فحذفوا الألف كما يحذفون الياء، كما قال الشاعر :[ من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون ] :
[ ولست بمدرك ما فات مني ] " لهفَ " ولا ب " ليتَ " ولا لَوَآني "
يريد : " لَهْفاه ". ومما يدلك على أن هذا الاسم أنث بالهاء قول الشاعر :[ من الطويل وهو الشاهد السابع والأربعون ] :
تقولُ ابنتي لما رأتنِيَ شاحِباً كأنَّكَ فينا يا أَبات غريبُ
فرد الألف وزاد عليها الهاء كما أنثَ في قوله " يا أمتاه " فهذه ثلاثة أحرف. ومن العرب من يقول : " يا أمَّ لا تفعلي " رخّم كما قال : " يا صاحِ ". ومنهم من يقول " يا أميّ " و " يا أبي " على لغة الذين قالوا : " يا غلامِي. ومنهم من يقول " يا أبِ " و " يا أمِّ " وهي الجيدة في القياس.

معاني القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الأخفش

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير