ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( البقرة : ٣٨ )
التفسير :
قوله تعالى : قلنا اهبطوا منها جميعاً : الواو ضمير جمع، وعبر به عن اثنين لأن آدم، وحواء هما أبَوَا بني آدم ؛ فوجه الخطاب إليهما بصيغة الجمع باعتبارهما مع الذرية ؛ هذا هو الظاهر ؛ وأما حمله على أن أقل الجمع اثنين، وأن ضمير الجمع هنا بمعنى ضمير التثنية فبعيد ؛ لأن كون أقل الجمع اثنين شاذ في اللغة العربية ؛ وأما قوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما [ التحريم : ٤ ] فإن الأفصح في المتعدد إذا أضيف إلى متعدد أن يكون بلفظ الجمع. وإن كان المراد به اثنين ؛ و جميعاً منصوبة على الحال من الواو في قوله تعالى :( اهبطوا )
قوله تعالى : فإما أصلها : " فإنْ ما " : أدغمت النون في " ما " ؛ و " إن " شرطية، و " ما " زائدة للتوكيد ؛ و
يأتينكم فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد ؛ ولذلك لم يكن مجزوماً ؛ بل كان مبنياً على الفتح ؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظاً، وتقديراً..
قوله تعالى : مني هدًى أي علماً : وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه، ورسله..
قوله تعالى : فمن تبع : الفاء هنا رابطة لجواب الشرط ؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط ؛ والجملة هنا اسمية ؛ و " مَنْ " شرطية ؛ و " تبع " فعل الشرط ؛ والفاء في قوله تعالى : فلا خوف رابطة للجواب أيضاً، و " لا " نافية، و " خوف " مبتدأ ؛ وجملة : فمن تبع هداي فلا خوف جواب " إنْ " في قوله تعالى : فإما يأتينكم ؛ وجملة : فلا خوف جواب فمن تبع ..
وقوله تعالى : فمن تبع هداي أي أخذ به تصديقاً بأخباره، وامتثالاً لأحكامه ؛ وأضافه الله لنفسه لأنه الذي شرعه لعباده، ولأنه موصل إليه..
قوله تعالى : فلا خوف عليهم أي فيما يستقبل ؛ لأنهم آمنون ؛ ولا هم يحزنون أي على ما مضى ؛ لأنهم قد اغتنموه، وقاموا فيه بالعمل الصالح ؛ بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولاً كانت عالية ؛ لقوله تعالى : اهبطوا ؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى..
. ٢ ومنها : إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى :( قلنا )..
. ٣ منها : أنه بصوت مسموع، وحروف مرتبة ؛ لقوله تعالى : اهبطوا منها جميعاً ؛ فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم..
. ٤ ومنها : أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة ؛ لقوله تعالى : جميعاً ؛ وهو توكيد معنوي : لأنه حال من حيث الإعراب ؛ لأن الشيء إذا كان هاماً فينبغي أن يؤكد ؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء : " يا فلان عجل عجل عجل " ثلاث مرات ؛ والمقصود التوكيد، والحث..
. ٥ ومنها : أن الهدى من عند الله ؛ لقوله تعالى :( فإما يأتينكم مني هدًى )
فإن قال قائل : " إنْ " في قوله تعالى : فإما لا تدل على الوقوع ؛ لأنها ليست ك " إذا " ؟ قلنا : نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه ؛ والواقع يدل على الوقوع. أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير ؛ وممكن أن نقول : في هذه الصيغة. فإما يأتينكم . ما يدل على الوقوع ؛ وهو توكيد الفعل..
ويتفرع على هذه الفائدة : أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عزّ وجلّ ؛ لأنه هو الذي يأتي به..
. ٦ ومن فوائد الآية : أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه ؛ لقوله تعالى :
( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
. ٧ ومنها : أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع ؛ لقوله تعالى :( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
. ٨ ومنها : أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى ؛ فيكون ضالاً كما شهدت بذلك السنة ؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة يقول : " وشر الأمور محدثاتها ؛ وكل محدثة بدعة ؛ وكل بدعة ضلالة١.

١ أخرجه النسائي ص٢١٩٣، كتاب صلاة العيدين، باب ٢٢: كيف الخطبة، حديث رقم ١٥٧٩ن بزيادة: "وكل ضلالة في النار"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [١/٥١٢، حديث رقم ١٥٧٧]، وأصله في مسلم ص٨١٣، كتاب الجمعة، باب ١٣: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث ٢٠٠٥ [٤٣] ٨٦٧، بدون: "وكل محدثة بدعة" ولا "وكل صلالة في النار"..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير