وأما قوله : وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها...
فإن الفوم فيما ذكر لغةٌ قديمة ( وهي ) الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم : سمعنا ( العربَ من ) أهل هذه اللغة يقولون : فَوِّموا لنا بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا وهي في قراءة عبد الله " وَثُومِها " بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصّواب ؛ لأنّه مع ما يشاكله : من العَدَس والبَصَل وشبْهه. والعرب تُبدل الفاء بالثَّاء فيقولون : جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقَعوا في عاثُور شَرٍّ وعافُور شرٍّ، والأثاثي والأَثافي. وسمعت كثيرا مِن بنى أسد يسمِّى ( المَغافير المغاثير ).
وقوله : أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ...
أي الذي هو أقرب، من الدُّنُوِّ، ويقال من الدَّناءة. والعرب تقول : إنه لَدنىٌّ [ ولا يهمزون ] يُدَنِّى في الأمور أي يتَّبِع خَسيسَها وأصاغرها. وقد كان زُهير الفر قبى يَهْمِز : " أَتَسْتَبْدِلونَ الذي هُوَ أدْنا بِالذي هو خيرٌ " ولم نر العرب تهمزُ أَدْنَى إذا كان من الخِسّة، وهم في ذلك يقولون إنه لَدَانِئٌ خَبِيثٌ [ إذا كان ماجنا ] فيهمزون. وأنشدني بعض بنى كلاب :
| باسِلَةُ الوَقْعِ سَرَابِيلُها | بِيضٌ إِلى دانِئِها الظَّاهِرِ |
وقوله : اهْبِطُواْ مِصْراً...
كتبت بالألف، وأسماء البُلدان لا تنصرف خَفَّت أو ثَقُلت، وأسماء النساء إذا خَفَّ منها شئٌ جرى إذا كان على ثلاثة أحرْفٍ وَأَوْسَطُها ساكنٌ مثلُ دَعْدٍ وهِنْد وجُمْل. وإنما انصرفت إذا سمّي بها النِّساء ؛ لأنها تُردَّد وتَكثُر بها التّسمية فتخف لكثرتها، وأسماء البلدان لا تكاد تعود. فإن شئت جعلت الألف التي في " مِصْرَا " ألفا يُوقَفُ عليها، فإذا وصلتَ لم تنوِّن، كما كتبوا " سَلاَسِلاً " و " قَوَارِيراً " بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيهما. وإن شئت جعلت " مِصْرَ " غير المصر التي تُعرَف، يريد اهبطوا مِصراً من الأمْصار، فإن الذي سألتم لا يكون إلا في القُرَى والأمصار. والوجه الأوّل أحبّ إلىّ ؛ لأنها في قراءة عبد الله " اهْبِطوا مِصْرَ " بغير ألف، وفي قراءة أُبَىًّ : " اهْبِطُوا فَإنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم واسْكُنُوا مِصْرَ " وتصديق ذلك أنها في سورة يوسف بغير ألف : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاء اللّهُ آمِنِينَ . وقال الأعمش وسئل عنها فقال : هي مصر التي عليها صالح بن علىّ.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء