وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون قوله تعالى: وَفُومِهَا فيه ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه الحنطة، وهو قول ابن عباسٍ، وقتادة، والسدي، وأنشد ابن عباسٍ مَنْ سأله عن الفوم، وأنه الحُنْطة قَوْلَ أُحيحة بن الجُلاح:
| (قَدْ كُنْتُ أَغْنَىَ النَّاسِ شَخْصاً وَاحِداً | وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومٍ) |
والثالث: أنه الثومُ بالثاء، وذلك صريح في قراءة ابن مسعود، وهو قول الربيع بن أنس والكسائي. قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً: قرأ عامةُ القُرّاءِ بالتنوين، وقرأ بعضهم بغير تنوين، وهي كذلك، وقراءة ابن مسعود بغير ألف. وفي المصر الذي عناه قولان: أحدهما: أنه أراد أيَّ مِصْرٍ، أرادوا من غير تعيين؛ لأنَّ ما سألوا من البقل والقثَّاء والفوم، لا يكون إلا في الأمصار، وهذا قول قتادة، والسدي ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أنه أراد مصر فرعون، الذي خرجوا منه، وهذا قول الحسن، وأبي العالية والربيع. واختلف في اشتقاق المِصْرِ، فمنهم من قال: إنه مشتق من القطع، لانقطاعه بالعمارة، ومنهم من قال: إنه مشتق من الفصل بينه وبين غيره، قال عدي بن زيد:
| (وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لاَ خَفَاءَ بِهِ | بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلاَ) |
وفي قوله تعالى: وَباءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ثلاثة تأويلات: أحدها: وهو قول أبي العباس المَبِّرد: أن أصل ذلك: المنزلة، ومعناه أنهم نزلوا بمنزلة غضب الله، ورُوي: أن رجلاً جاء برجلٍ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: هذا قاتل أخي، قال (فَهُوَ بَوَاءٌ بِهِ) أي أنه مقتول، فيصير في منزلته، وتقول ليلى الأخيليَّةُ:
| (فَإِنْ يَكُنِ الْقَتْلَى بَوَاءً فَإِنَّكُمْ | فَتىً مَا قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ) |
| (يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ | بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا) |
| (لَمَّا وَرَدْنَا نبِيَاً وَاسْتَتَبَّ لَنَا | مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ) |
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود