وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ٦١ .
تفسير المفردات
الصبر : حبس النفس وكفها عن الشيء، والطعام : هو المن والسلوى وجعلوهما طعاما واحدا، لأنهما طعام كل يوم، والعرب تقول لمن يجعل على مائدته كل يوم ألوانا الطعام لا تتغير : إنه يأكل من طعام واحد، والبقل : النبات الرطب مما يأكله الناس والأنعام، والمراد به هنا ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر كالكرفس والنعناع ونحوهما، والقثاء : ما تسميه العامة القتة والفوم : الحنطة، وقال جماعة منهم الكسائي إنه الثوم ويرجح هذا ذكر العدس والبصل. والاستبدال : طلب شيء بدلا من آخر، وأصل الأدنى الأقرب ثم استعمل للأخس الدون، والهبوط : الانحدار والنزول، والمصر : البلد العظيم، وضربت : أي أحاطت بهم كما تحيط القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم كما تطبع الطغرى على السكة، والذلة الذل والهوان، والمسكنة : الفقر، وسمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، والمراد بها هنا فقر النفس وشحها، وباءوا بغضب : أي استحقوا الغضب، يعتدون : أي يتعدون حدود الله.
المعنى الجملي
ذكر هنا جرما آخر من جرائم أسلافهم التي تدل على كفرانهم بأنعم الله، وترشد إلى أنهم دأبوا على إعنات موسى، وأنهم أكثروا من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع حتى ييأس منهم ويرتد لهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة، ومع صادق وعده لهم بأن يمكن لهم الدخول في الأرض الموعودة، ويرفع عنهم الخسف الذي كانوا فيه، ومع كثرة ما شاهدوا من الآيات الدالة على صدقه، كانوا في ريب من تحقيق ما قال لهم، ويظنون أنه خدعهم حين أخرجهم من مصر وجاء بهم إلى البرية.
وقد بلغ من إعناتهم له أن قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وأن قالوا : لن نصبر على طعام واحد وهم يريدون بذلك أنه لا أمل لك في بقائنا معك على هذه الحال من التزام طعام واحد، وربما لم يكن صدر منهم هذا القول عن سأم وكراهية لوحدة الطعام، بل صدر عن بطر وطلب للخلاص مما يخشون.
الإيضاح
وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد أي وإذ قال أسلافكم من قبل إعناتا لموسى وبطرا بما هم فيه، لن نصبر على أن يكون طعامنا الذي لا يتغير أبدا هو المن والسلوى.
فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا كذا وكذا، وإنما سألوه أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وقالوا ربك ولم يقولوا ربنا لأنه اختصه بما لم يعط مثله لهم، من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا ادع لنا من أحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل، نرجو أن يحسن إليك بإجابة هذا الدعاء.
قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ أي قال لهم موسى على سبيل التوبيخ والاستهجان : أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن الذي فيه حلاوة تألفها الطباع، والسلوى الذي هو أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ وليس فيما طلبوا ما يساويهما ؟
اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم أمرهم موسى أن ينزلوا من التيه ويسكنوا مصرا من الأمصار إن كانوا يريدون ما سألوه، لأن هذه الأرض التي كتب الله عليهم أن يقيموا فيها إلى أجل محدود ليس من شأنها أن تنبت هذه البقول، والله تعالى لم يقض عليهم بالبقاء فيها إلا لضعف عزائمهم وخور هممهم عن أن يغالبوا من سواهم من أهل الأمصار، فهم الذين قضوا على أنفسهم بأكل الطعام الواحد، ولا سبيل للخلاص مما كرهوا إلا بالإقدام على محاربة من يليهم من سكان الأرض الموعودة، والله كفيل بنصرهم، فليطلبوا ما فيه الفوز والفلاح لهم.
وضربت عليهم الذلة والمسكنة أي إن الله عاقبهم على كفران تلك النعم بالذل الذي يهون على النفس قبول الضيم والاستكانة والخضوع في القول والعمل، وتظهر آثار ذلك في البدن، فالذليل يستحذى ويسكن إذا طاف بخياله يد تمتد إليه، أو قوة قاهرة تريد أن تستذله وتقهره، وترى الذل والصغار يبدو في أوضاع أعضائه وعلى ظاهر وجهه.
وباءوا بغضب من الله أي واستحقوا غضب الله بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله أي إن ما حل بهم من ضروب الذلة والمسكنة واستحقاق الغضب الإلهي، كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من الكفر بآيات الله التي آتاها موسى وهي معجزاته الباهرة التي شاهدوها، فإن إعناتهم له، وإحراجهم إياه دليل على أنه لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم لها جاحدون منكرون.
ويقتلون النبيين بغير الحق فهم قتلوا أشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق : أي بغير شبهة عندهم تسوغ هذا القتل، فإن من يأتي الباطل قد يعتقد أنه حق لشبهة تعن له، وكتابهم يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلا عن الأنبياء إلا بحق يوجب ذلك.
وفي قوله : بغير الحق مع أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك، مزيد تشنيع بهم، وتصريح بأنهم ما كانوا مخطئين في الفهم ولا متأولين للحكم، بل هم ارتكبوه عامدين مخالفين لما شرع الله لهم في دينهم.
ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون أي إن كفرهم بآيات الله وجرأتهم على النبيين بالقتل، إنما كانا بسبب عصيانهم وتعديهم حدود دينهم، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتدين به يحذر مخالفة أمره، حتى إذا تعدى حدوده مرة ضعف ذلك السلطان الديني في نفسه، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد، إلى أن تضير المخالفة طبعا وعادة وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلا في قرارة نفسه.
تفسير المراغي
المراغي