ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

( ٧٥ ) أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( ٧٦ ) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ( ٧٧ ) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ( ٧٨ ) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون .
كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يرون أن أولى الناس بالإيمان وأقربهم منه اليهود لأنهم موحدون ومصدقون بالوحي والبعث في الجملة ولذلك كانوا يطمعون بدخولهم في الإسلام أفواجا لأنه مصدق لما معهم في الجملة ومحل لجميع شبهات الدين وحال لجميع إشكالاته بالتفصيل وواضع له على قواعد لا ترهق الناس عسرا ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .
كان هذا الطمع في إيمانهم مبنيا على وجه نظري معقول لولا أنهم اكتفوا بجعل الدين رابطة جنسية، ولم يجعلوه هداية روحية، ولذلك كانوا يتصرفون فيه باختلاف المذاهب والآراء، ويحرفون كلمه عن مواضعه بحسب الأهواء، وما أعذر الله المؤمنين في طمعهم هذا إلا بعد ما قص عليهم من نبأ بني إسرائيل الذين كانوا على عهد التشريع وشاهدوا الآيات ما علم به أنهم في المجاحدة والمعاندة على عرق راسخ ونحيزة موروثة لا يكفي في زلزالها كون القرآن مبينا في نفسه لا يتطرق إليه ريب، ولا يتسرب إليه شك، ولذلك بدأ السورة بوصف الكتاب بهذا وكونه هدى للمتقين من أهل الكتاب وغيرهم. وثنى ببيان أن من الناس من يعانده ويباهته، ومنهم المذبذب الذي يميل مع الريحين، فلا يثبت مع أحد الفريقين، ثم أفاض في شرح حال بني إسرائيل الذين لم يؤمن منهم إلا قليل من أهل العلم والتقوى، وكان الأكثرون أشد الناس استكبارا عن الإيمان وإيذاء للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين. وبعد هذا كله أنكر على المؤمنين ذلك الطمع بدخول اليهود في دين الله أفواجا، ووصل الإنكار بحجة واقعة ناهضة، تجعل تلك الحجة النظرية داحصة فعلم بهذا أن الكلام لا يزال متصلا في موضوع الكتاب وأصناف الناس بالنسبة إلى الإيمان به وعدم الإيمان. كلما بعد العهد جاء ما يذكر به تذكيرا
قال تعالى ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ذلك الذي تقدم هو شأن علمائهم : يحرفون كتاب الله ويخرجون من حكمه بالتأويل، وهذا هو شأن عامتهم : لا علم لهم بشيء من الكتاب، ولا معرفة لهم بالأحكام، وما عندهم من الدين فهو أماني يتمنونها وتجول صورها في خيالاتهم، وهذه الصور هي كل ما عندهم من العلم بدينهم، وما على بينة منها، وإنما هي ظنون يلهون بها. وهذا هو محل الذم لا مجرد كونهم أميين، فإن الأمي قد يتلقى العلم عن العلماء الثقات ويعقله عنهم بدليله فيكون علمه صحيحا وهؤلاء لم يكونوا كذلك.
فإن قيل : لم سمى ما كانوا عليه من الأماني ظنا مع أنهم أخذوه عن رؤساء دينهم الموثوق بهم عندهم وسلموه تسليما فلم يكن في نفوسهم ما يخالفه ومثل هذا يسمى اعتقادا وعلما ؟ نقول إنما العلم بالدليل ولا يسمي مثل ذلك علما إلا من لا يعرف معنى العلم. على أنه لم يكن راجحا ومسلما إلا لأن مقابله لم يخطر ببالهم ولو أورد عليهم لتزلزل ما عندهم ثم زال، أو ظهر فيه الشك وتطرق إليه الاحتمال، ويصح أن يقال في مثل هؤلاء إن الظن أو التردد كان نائما في نفوسهم وهو عرضة لأن يوقظه نقيضه ويذهب به متى طرأ. ونوم الظن لا يصح أن يسمى اعتقادا.
قال الأستاذ الإمام : هذه الأماني توجد في كل الأمم في حال الضعف والانحطاط يفتخرون بما بين أيديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية، وتسول لهم الأماني أن ذلك كاف في نجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس. هكذا كان اليهود في زمن التنزيل وقد اتبعنا سنتهم وتلونا تلوهم فظهر فينا تأويل الحديث الصحيح " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع " وإننا نقرأ أخبارهم فنسخر منهم ولا نسخر من أنفسنا، ونعجب لهم كيف رضوا بالأماني ونحن غارقون فيها.
ثم إن الآية تدل على بطلان التقليد وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه وقد مضى على هذا إجماع الصدر الأول وأهل القرون الثلاثة وإنما كان الجاهل يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها، والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان، وفسر بعضهم الأماني بالأكاذيب ابتداء، ومنهم من فسرها بالقراآت أي أنهم لا حظ لهم من الكتاب إلا قراءة الفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل. فهو على حد { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) وقد ورد التمني بمعنى القراءة ومنه قول الشاعر :

تمنى كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور على رسل
وهذا النوع من التمني قد برّز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد أمسوا أكثر الأمم تلاوة لكتابهم وأقلهم فهما له واهتداء به.
قال الأستاذ الإمام : إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن.... كانوا أكثر الناس مراء وجدالا في الحق وإن كان بينا باهرا، وأشد الناس كذبا وغرورا وأكلا لأموال الناس، بالباطل كالربا الفاحش وغشا وتدليسا وتلبيسا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان. فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام. وأما اللفظ والنظم ففيه أن قوله تعالى " إلا أماني " استثناء منقطع والعلم المنفي قاصر لا يشمل الأماني. ويصح أن يكون معتديا والآية على حد قولهم " ما علمت فلانا الأفاضل " ويكون المعنى أنهم إنما يعلمون من الكتاب أنه مجموعة أماني يمنونها أنفسهم، فهم لا يأخذون منه إلا ما هو لهم ويمدهم في غرورهم، وأما ما ينبههم على سيئات أعمالهم فكأنه غير معروف لهم من الكتاب..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير