ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ثم إن الله ذكر طائفة ثالثة، وهي الطائفة الجاهلة التي لا تدري، وإنما تسمع كلاما فتقلد فيه تقليدا أعمى، قال : ومنهم أميون [ البقرة : الآية ٧٨ ] الأمي : هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. أي : طائفة جاهلة لا يكتبون الكتب ولا يقرؤون ما في الكتب. لا يعلمون الكتاب الذي هو التوراة ولا غيره من الكتب.
وقوله : إلا أماني في قوله : إلا أماني وجهان معروفان من التفسير عند العلماء : أحدهما تبعده قرينة في نفس الآية.
أما القولان المعروفان : أن المراد بالأماني هنا : جمع ( أمنية ) بمعنى ( القراءة ). والعرب تطلق ( الأمنية ) على ( القراءة )، وهذا معنى معروف في كلام العرب، تقول العرب :( تمنى ) إذ قرأ، ومنه قول حسان :
تمنى كتاب الله آخر ليله*** تمني داود الزبر على رسل
وقول كعب بن مالك أو حسان :
تمنى كتاب الله أول ليلة*** وآخرها لاقى حمام المقادر
فمعنى ( تمنى ) : قرأ، وعلى هذا فالاستثناء متصل. وتقرير المعنى : لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ ليس معها تفهم وتدبر لما تحويه الألفاظ من المعاني، ومن لم يكن عنده من علم الكتاب إلا قراءة ألفاظ لا يفهم ما تحتها من المعاني فهذا جاهل لا علم عنده. هذا وجه في الآية، وهو الذي قلنا : إن في الآية قرينة تبعده ؛ لأن هذا يدل على أنهم يقرؤون التوراة قراءة ألفاظ لا يفهمون ما تحتها من المعاني، والعبر، والحكم. وقوله في أول الآية : ومنهم أميون يدل على أنهم لا يقرؤون. فكان حمل الأماني على القراءة فيه شبه ناقضة مع قوله : ومنهم أميون .
الوجه الثاني في الآية الكريمة : أن الاستثناء منقطع، وأن ( الأماني ) جمع ( أمنية )، وهي الأمنية المعروفة، وهي أن يتمنى الإنسان حصول ما ليس بحاصل. وعلى هذا القول فتقرير المعنى : لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة صادرة عن جهل لا مبدأ لها من علم، كأن يقولوا : ما عليه محمد وأصحابه ليس بحق، و نحن أبناؤا الله وأحباؤه ، لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ، والدليل على أن هذا من أمانيهم الباطلة، وأن خير ما يفسر به القرآن القرآن : قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم [ البقرة : الآية ١١١ ] فصرح ( جل وعلا ) بأن أمانيهم من هذا القبيل، كما قال جل وعلا : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به الآية [ النساء : آية ١٢٣ ] وهذان الوجهان في قوله : لا يعلمون الكتاب إلا أماني .
وإن هم إلا يظنون ( إن ) هي النافية. والمعنى : ما هم إلا يظنون، يسمعون عند علمائهم قولا فيقولونه تقليدا وظنا وجهلا.
والظن قد قدمنا أنه يطلق إطلاقين : يطلق على الشك. وهو المراد هنا، وهو المراد في قوله : إن الظن لا يغني من الحق شيئا [ يونس : آية ٦٣ ] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". ومنه قوله عن الكفار : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين
[ الجاثية : آية ٣٢ ] واصطلاح الأصوليين : أن الظن لا يطلق على الشك ؛ لأن الشك نصف الاعتقاد. والظن عندهم جل الاعتقاد، وما بقي عن الظن من الاعتقاد يسمونه وهما، هذا اصطلاح أصولي.
أما أهل اللغة العربية فإنهم يطلقون اسم الظن على الشك.
قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [ البقرة : الآية ٧٩ ] ( ويل ) : كلمة عذاب، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، معناه : هلاك عظيم هائل كائن لهم.
وقال بعض العلماء :( ويل ) : واد في جهنم تستعيذ جهنم من حره.
ولو فرضنا صحة هذا القول لكان راجعا إلى الأول.
ولفظه ( ويل ) تتعدى باللام ولذا عداه بقوله : فويل للذين يكتبون الكتاب وهو مبتدأ خبره جملة :( للذين )، وإنما سوغ الابتداء بهذه النكرة لأنها مشمة معنى الدعاء، وقد تقرر في علم العربية : ان النكرة إذا كانت مشمة معنى الدعاء بخير أو بشر كان ذلك مسوغا للابتداء بها، ومثاله في الدعاء بالخير : قالوا سلام قال سلام [ هود : آية ٦٩ ] ( سلام عليكم ) مبتدأ، سوغ الابتداء به أنه في معرض الدعاء، والدعاء بالشر كقوله هنا :
فويل أي : هلاك عظيم لا خلاص منه للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، فهؤلاء اليهود – قبحهم الله – كانوا يأخذون أوراقا وقراطيس ينقلون فيها التوراة، يقولون مثلا : في المحل الفلاني من التوراة كذا وكذا وكذا، ويكتبون أمورا باطلة ليست في كتاب الله، كما يأتي في قوله : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا [ الأنعام : آية ٩١ ] وهذا الذي يكتبونه بأيديهم في هذه القراطيس كذب مختلق على الله ( جل وعلا ). وهذا الاختلاق والتحريف إنما فعلوه ليتعوضوا به عرضا من عرض الدنيا، ذلك أنهم لو أخبروا بالواقع لآمن كل الناس، وصاروا تبعا لا متبوعين، وضاعت عليهم رئاسة الدين، والأموال التي يأخذونها عن طريق الرئاسة الدينية، فصاروا يكتبون أمورا محرفة مزورة، منها تغيير صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. فقال الله فيهم : فويل للذين يكتبون الكتاب يكتبون الكتاب في تلك القراطيس بأيديهم.
وقوله : بأيديهم هذا نوع من التأكيد جرى على ألسنة العرب، فنزل به القرآن ؛ لأنه بلسان عربي مبين. نحو : ولا طائر يطير بجناحيه
[ الأنعام : آية ٣٨ ]، ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه. يقولون بأفواههم [ آل عمران : آية ١٦٧ ] ومعروف أنهم يقولون بأفواههم. يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ( ثم ) هذه كمان تدل على الاستبعاد ؛ لأن الكتاب إذا كان مختلقا على الله يبعد كل البعد أن يقول الإنسان إنه من عند الله.
ثم بين علة افترائهم وتزويرهم، ودعواهم أن الكتاب من عند الله، وهو ليس من عند الله، بين علة ذلك وعلته الغائية المقصودة عندهم بقوله : ليشتروا به ثمنا قليلا الاشتراء في لغة العرب : الاستبدال، فكل شيء استبدلته بشيء فقد اشتريته، ومن هذا المعنى قول علقمة بن عبدة التميمي :
والحمد لا يشترى إلا له ثمن*** مما تضن به النفوس معلوم
وقول الراجز :
بدلت بالجملة رأسا أزعرا*** وبالثنايا الواضحات الدردرا
........................... *** كما اشترى المسلم إذ تنصرا
أي : كما استبدل.
و ( الثمن ) تطلقه العرب على كل عوض مبذول في شيء تسميه العرب ثمنا، ومنه بيت علقمة المذكور آنفا في قوله :
والحمد لا يشترى إلا له ثمن***.............................
وقول عمر بن أبي ربيعة :
إن كنت حاولت دنيا أو أقمت لها*** ماذا أخذت بترك الحمد من ثمن
ومعنى الآية الكريمة : أنهم يغيرون كلام الله، ويكتبون على الله ما لم يقل، ويقولون : إنه من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ؛ لأجل أن يعتاضوا بذلك ثمنا قليلا من عرض الدنيا، وهو ما ينالونه من المال على رئاستهم الدينية.
ثم إن الله قال : فويل لهم مما كتبت أيديهم أي : هلاك عظيم لا خلاص منه كائن لهم، مبدؤه وسببه مما كتبت أيديهم مزورا على الله أنه من عند الله وليس من عند الله، وويل لهم مما يكسبون أي : من الرشا والأموال عوضا عن ذلك التزوير والافتراء على رب السماوات والأرض، وهذا غاية التهديد والوعيد العظيم حيث قال : فويل لهم مما كتبت أيديهم يعني : وتقولوه على الله كذبا، وويل لهم مما يكسبون أي : من المال عوضا عن ذلك، وهذا معنى قوله : فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير