ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

أي: في حكمه، فعلى هذا معناه: لتكون لهم الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة. ويحتمل: أنه أراد عند ربكم في الآخرة؛ لأنهم يقولون لكم: يا معشر اليهود آمنا بمحمد ولم نقرأ صفته، وكفرتم به بَعْد أن وقفتم على صِدقه في التوراة. أَفَلَا تَعْقِلُونَ أفليس لكم ذهن الإنسانية (١). وهذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم، فقال الله تعالى: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ أي: من التكذيب وَمَا يُعْلِنُونَ من التصديق.
٧٨ - قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ قال أبو إسحاق: معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلّة (٢) الأمة: أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه (٣).
وقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة، فكأنه نُسِبَ إلى ما ولد عليه، أي: هو على ما ولدته أمّه.
وقال ابن الأنباري: إنما سمّي الذي لا يكتب، ولا يقرأ: أمّيّاً؛ لأنه نسب إلى أمّه، إذ كان النساءُ لا يكتبن في ذلك الدّهر (٤).
وقوله تعالى: إِلَّا أَمَانِىَّ جَمْعُ أُمْنِيّة، وأُمْنِيَّة في الأَصْلِ. أُمْنُوية

(١) "تفسير الثعلبي" ١/ ٩٩٧.
(٢) في (ش): (حيلة).
(٣) "معاني القرآن" ١/ ١٥٩. وفي "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٤ مادة (أم) النص هكذا: معنى الأمي في اللغة المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه.
(٤) ينظر. "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، و"المحيط في اللغة" للصاحب بن عباد ١٠/ ٤٥٩، "تفسير القرطبي" ٢/ ٤، و"اللسان" ١/ ١٢٣.

صفحة رقم 84

حُروفه من غير زيادة.
وقال ابن السكيت: يقال: هو مُنّي (١) بمَنَى مِيل، أي: بقدر ميل (٢).
وقال الفراء: يقال: مَنىَ الله لك ما يَسُرّك، أي: قَدّر لك. وأنشد:

ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله حتى تَبَيّنَ (٣) ما يَمْني (٤) لَكَ الماني (٥)
أي: ما يقدر لك القادر (٦).
فأمَّا التفسير، فقال ابن عباس: إِلَّا أَمَانِيَّ: إلا أحاديث (٧)، قال: لا يعلمون إلّا ما حُدّثوا.
وقال الفرَّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله: لا يعلمون الكتاب ولكن هو أحاديث مفتعلة ليست من كتاب الله يسمعونها من كبرائهم (٨)، وهذا قول الكلبي (٩). واختاره الزجّاج في أحد قوليه، وقال:
(١) في (ش): (تمني).
(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٤ ولم أجده في كتابيه:"تهذيب الألفاظ"، و"إصلاح المنطق".
(٣) في (م): (يبين). وفي (ش): (بين) وفي "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٤: تُلاقيَ.
(٤) في (ش): (تمنى).
(٥) البيت لأبي قلابة الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص ٧١٣، ولسويد بن عامر "المصطلقي في لسان العرب" ٧/ ٤٢٨٢، وذكره في "تهذيب اللغة" عن الفراء ولم ينسبه ٤/ ٣٤٥٤.
(٦) لم أجده في مظنته من "معاني القرآن" للفراء، ونقله عنه في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٤.
(٧) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٦١، و"ابن أبي حاتم" ١/ ١٥٢.
(٨) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٤٩ - ٥٠.
(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٩٩٩، وينظر: "البغوي" ١/ ٨٨، "الخازن" ١/ ٧٧.

صفحة رقم 85

تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ وآخرها (١) لاقى حِمَام المقادر (٢)
أي: قرأ، يسمّى (٣) القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما (٤) يحدث به نفسه (٥)؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث.
وقال غيره: أصل هذه الكلمة عند أهل اللّغة من التقدير. والتمني: هو تقدير شيء تودُه، والمنيّة مقدرةٌ على العباد، والمَنَى الذي يوزن به: مقدار معروف، والمَنِيُّ: الذي يقدَّرُ منه الولد، والتمني: التلاوة؛ لأنها حكاية على مقدار المحكيِ، والمنا (٦): الحذاء؛ لأن أحد الشيئين بإزاء الآخر على مقداره (٧)، ومُنيت (٨) بكذا أي: قُدَر علَيّ.
والأمنية في هذه الآية: التلاوة؛ لأنها حكاية للكلام على مقدار
(١) كذا في الأصل: وآخرها، وفي "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٠٠، "اللسان" ٧/ ٤٢٨٤، "تفسير القرطبي" ٢/ ٦: وآخره.
(٢) البيت في "ديوانه" ص ٢٩٤ قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر "تفسير ابن عطية" ١/ ١٦٩، "القرطبي" ٢/ ٥، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في "تفسير أبي حيان" ٦/ ٣٨٦، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في "لسان العرب" ٧/ ٤٢٨٤، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٢٧٧، وكتاب "العين" ٨/ ٣٩٠. ينظر "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية"، للدكتور/ أميل بديع يعقوب ٣/ ٣٧٠. وحمام المقادر: الموت.
(٣) في: (م) لعلها (يسمي).
(٤) في (م) و (ش): (ما).
(٥) في (ش): تحدث نفسه.
(٦) في (م): (المنا الذي).
(٧) ينظر: "القاموس" ١٣٣٦: (مادة: المنا).
(٨) في (م): (أمنيت).

صفحة رقم 86

رأس جبل فهو من خشية الله [نزل به القرآن (١).
وقال بعض المتأولين: من قال: المراد بالحجارة في قوله: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ] (٢) أنه يركَّب فيها التمييز والعقل، فقد أخطأ (٣)، إذ كان لا يُستنكر ذلك ممن جُعِل فيه التمييز، ولكن هذا على جهة (٤) المثل، كأنه يهبط من خشية الله لما فيه من الانقياد لأمر الله الذي لو كان من حيّ قادر لدلَّ على أنه خاشٍ لله كقوله: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧]، أي: كأنه مريد. وكقول جرير:

لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ سُورُ المدينةِ والجِبَالُ الخُشَّعُ (٥)
أي: كأنها خاشعة للتذلل الذي ظهر (٦) فيها كما يظهر تذلل الخاشع،
(١) ذكره الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٦٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٤٣٣، "تفسير الماوردي" ١/ ٣٧٤، انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٢١ - ١٢٢.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣) نسب الرازي هذا القول للمعتزلة ٣/ ١٣١.
(٤) في (ب): (على وجه).
(٥) من قصيدة قالها جرير في هجاء الفرزدق، يقول: لما وافى خبر قتل الزبير إلى المدينة تواضعت هي وجبالها وخشعت حزنا له، لأن قاتل الزبير من رهط الفرزدق. ورد البيت في مواضع كثيرة منها،"الكتاب" ١/ ٥٢، "مجاز القرآن" ١/ ١٩٧، "الكامل" ٢/ ١٤١، "المقتضب" ٢/ ١٩٧،"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص ٥٩٥، "جمهرة أمثال العرب" ٢/ ٣٣٣٩، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٩٦، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٧، والطبري في "تفسيره" ١/ ٢٦١، ٣٦٥، "الخزانة" ٤/ ٢١٨، "الخصائص" ٢/ ٤١٨، "المخصص" ١٧/ ٧٧، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٩٥، "البحر المحيط" ١/ ٢٦٦، "رصف المباني" ص ٢٤٤، "ديوان جرير" ص ٢٧٠.
(٦) في (ب): (للتذل ظهر الذي فيها).

صفحة رقم 87

إلّا أكاذيب، والعربُ تقول: أنت إنما تتمنى (١) هذا القول، أي: تختلقه (٢). وقال أحمد بن يحيى: التمني: الكذب، يقول الرجل: والله ما تمنيت هذا الكلام ولا اختلقته (٣).
قال ابن الأنباري (٤): والمُنى تشبه الكذب لأنه لا حقيقة لها، والعرب تذمّها كما تذم الكذب، قال الشاعر:

فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ ومَا وَعَدَتْ إنَّ الأمَانِيَّ وَالأحْلامَ تَضْلِيلُ (٥)
وقال أبو عبيدة (٦) وابن الأنباري (٧) وابن قتيبة (٨) والزجَّاج (٩) في أحد قوليهِ: الأماني: التلاوة، واحتجوا ببيتِ كعبٍ، فأرادَ أنّهم يقرؤون عن ظهر القلب ولا يقرؤون في الكتب (١٠).
وقيل: يقرءون في الكتاب ولا يعلمونه بقلوبهم، فهم لا يعلمون
(١) في (ش): (تتمنى). في (أ) و (م): (تمتني)، وما في (ش) موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٥٩.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٥٩.
(٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١٥/ ٥٣٤.
(٤) في (م): (الأنبار).
(٥) البيت لكعب بن زهير، ينظر: "ديوانه" ص ٩، "لسان العرب" ٧/ ٤٢٨٤، "المعجم المفصل" ٦/ ٣٤٧.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٩٩٩، وليس هو في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة.
(٧) ينظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٦
(٨) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٤٦.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٥٩.
(١٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٩٩٩، "تفسير البغوي" ١/ ٨٨ "زاد المسير" ١/ ١٠٥.

صفحة رقم 88

الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به (١)، فليسوا كمن يتلونه حقّ تلاوته، فيُحِلّون حلالَه، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه (٢).
قال ابن الأزهري: والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه (٣).
وقال الحسن (٤) وأبو العالية (٥) وقتادة (٦): أي: إلّا أن يتمنوا على الله الباطل والكذب، ويتمنون على الله ما ليس لهم، مثل قولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، وقولهم: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا [البقرة: ١١١]، وقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ [المائدة: ١٨]. قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأوّل، يريد. لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله مالا ينالون (٧).

(١) في الأصل (يعلمون)، وهو تحريف.
(٢) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٥٦.
(٣) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٥٣٤.
(٤) ذكره "الثعلبي" في "تفسيره" عنه ٢/ ١٠٠١، وينظر: "الوسيط" للمصنف ١/ ١٦٢، و"البغوي" ١/ ٨٨.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره بمعناه ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٥٢، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٠١.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/، وفي "تفسير الطبري" بمعناه ١/ ٣٧٥، وذكره "أبن أبي حاتم" ١/ ١٥٢ عنه وعن الربيع بن أنس بلا إسناد، وينظر: "التفسير الصحيح" ١/ ١٨٠.
(٧) وقد رجح الشنقيطي هذا القول في أضواء البيان ١/ ١٤١ وبين أن مما يدل لهذا القول: قوله تعالى وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [البقرة: ١١١] وقوله لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء: ١٢٣] وبين أن القول الأول لا يتناسب مع قوله: ومنهم أميون لأن الأمي لا يقرأ. =

صفحة رقم 89

وقوله تعالى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي: لا يعلمون، (١) أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا (٢) (٣). وجعل الفعل المستقبل في مَوضع الحَالِ؛ لأنه يصلح للزمانين.
قال ابن عبّاس في قوله: (وإن هُم إلّا يظنون): أي: لا يعلمون الكِتَابَ، ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظَنّ (٤).
قالَ أصحاب المعاني: ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به (٥). ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة.
قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ الآية. قال ابن عباس: الوَيْل شِدّة العَذَاب (٦).

= ويؤيد ذلك ما ورد بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي العالية. ينظر: "التفسير الصحيح" ١/ ١٨٠.
(١) زيادة من (ش).
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٧٧، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٠١، "تفسير البغوي" ١/ ١١٥.
(٣) نقل القرطبىِ في "تفسيره" ٢/ ٦ عن أبي بكر الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًّا وكذبًا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب.
(٤) رواه الطبري في تفسيره ١/ ٢٧٧.
(٥) ينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية ١/ ٣٦٥، "تفسير القرطبي" ٢/ ٦.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٠٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ١١٥، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٣٧٨ بلفظ: فالعذاب عليهم.

صفحة رقم 90

وقال الزجّاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هَلَكة، وأصله في اللغة: العذاب (١).
وقال ابن قتيبة: قال الأصمعي: الويل تقبيح (٢)، قال الله تعالى: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
وروى الأزهري عن المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: ويل (٣)، كان أصلها (وي) وُصِلت بـ (له)، ومعنى (وي): حزن، ومنه قولهم: ويه (٤) معناه: حزن، أُخْرج مُخْرجَ الندبة (٥) (٦).
وحكى ابن الأنباري عن الفراء: أن أصل هذه الكلمة: وي لفلان، وهو حكاية صوتِ المصاب وَي وَي، فكثر الاستعمال للحرفين، يعني: وي لفلان فوُصِلتْ اللام بوي وَجُعِلَتْ معها حرفًا واحدًا، ثم خُبِّر عَن ويل بلام أُخرى.
وقرأت على أبي الحُسين الفسوي، فقلت: أخبركم حمد بن محمد الفقيه، قال: أخبرني أبو عمر (٧)، قال: حضرنا مجلس أبي العباس أحمد

(١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٠.
(٢) ينظر: "اللسان" ١١/ ٧٣٩.
(٣) في "تهذيب اللغة": (ويله).
(٤) في الأصل ويه، والمثبت من "اللسان".
(٥) الندبة: وهي نداء متفجع عليه حقيقة أوحكما أو متوجع منه. ينظر: "طرح التثريب" ١/ ١٥٤، "المصباح المنير" ص ٥٩٧.
(٦) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٩.
(٧) هو: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلبًا في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، له مصنفات كثيرة منها: "فائت الفصيح"، و"الياقوتة"، وغيرها، توفي سنة ٣٤٥ هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٠٨ - ٥١٣، و"تاريخ بغداد" ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٩.

صفحة رقم 91

أبن يحيى، فأقبل علينا، فقال: كيف الفعل من الويل؟ فبلّح القوم ولم يكن عند واحدٍ منهم جواب، وفي المجلس ابن (١) كيسان وغيره فأنشدنا:

تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ يميني لا تعلّلُ (٢) بالقليل (٣)
قال أبو عمرو: يقال في هذا أيضًا: وال يَوِيلُ، على وزن مال يميل. انتهت الحكايةُ.
وسمعتُ من يوثق بعلمه يقول: أخطأ أبو عمرو، لم يأت من هذا الباب ما أَوَّلُه واوٌ ولا ياءٌ في الأجوف. وروي عن أبي سعيد الخدري (٤) مرفوعًا قال: "ويْلٌ: وادٍ في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره" (٥).
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): (لا تغلل).
(٣) البيت بلا نسبة في: "الممتع في التصريف" ٢/ ٥٦٨، وفي "لسان العرب" ٨/ ٤٩٣٩، "المعجم المفصل" ٦/ ٥٨٧.
(٤) هو: الصحابي الجليل، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته أبو سعيد الخدري، من فقهاء الصحابة ومكثريهم في رواية الحديث، شهد ما بعد أحد، وتوفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: "أسد الغابة" ٢/ ٣٦٥، و"الأعلام" ٣/ ٨٧.
(٥) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥، وعبد بن حميد ٩٢٤، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (٣١٦٤)، ، الطبري في تفسيره ١/ ٣٧٨، والحاكم ٢/ ٥٠٧ أبو يعلى في "مسنده" ٢/ ٥٢٣ والبيهقي في "البعث والنشور" برقم ٥٣٧ من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف، وصححه الحاكم، وأحمد شاكر وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة وتعقبه ابن كثير في "تفسيره" ١/ ١٢٥ فقال: لم يتفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا منكر، والله أعلم.

صفحة رقم 92

قال النحويون: وذكر اليد في قوله: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ تحقيق للإضافة وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد (١) فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة (٢)، كقوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما (٣) توليت خلقه.
والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص: ٤]، والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكّدَت الإِضافة بذكر اليد؛ للتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد (٤) أيضا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا.
وقال ابن السراج: معنى يكتبون بأيديهم، أي: من تلقائهم ومن قبل أنفسهم من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم (٥)، وهذا كما يقال للذي يُبدعُ (٦) قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله (٧)، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم.

(١) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٠٤، "تفسير القرطبي" ٢/ ٨.
(٢) هذا تأويل من المؤلف رحمه الله، جرى فيه على مذهب الأشاعرة. والصواب ما عليه السلف من إثبات الصفات لله من غير تَأَويل ولا تكييف ولا تمثيل.
(٣) في (أ) و (م): (كما).
(٤) في (ش): (التاليد).
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" ٢/ ٨.
(٦) في (ش): (يبيع).
(٧) في (ش): (بقوله).

صفحة رقم 93

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية