ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فَصَارُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالنَّصِيحَةِ، لِأَنَّ مَنْ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقَمْتُ عَلَيْكَ الْحُجَّةَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي فَإِنْ قَبِلْتَ أَحْسَنْتَ إِلَى نَفْسِكَ وَإِنْ جَحَدْتَ كُنْتَ الْخَاسِرَ الْخَائِبَ. وَخَامِسُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: يُقَالُ: فُلَانٌ عِنْدِي عَالِمٌ أَيْ فِي اعْتِقَادِي وَحُكْمِي، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَلَالٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَرَامٌ، أَيْ فِي حُكْمِهِمَا وَقَوْلُهُ: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَيْ لِتَصِيرُوا مَحْجُوجِينَ بِتِلْكَ الدَّلَائِلِ فِي حُكْمِ اللَّهِ. وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النُّورِ: ١٣] أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ لِأَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ لَزِمَهُ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ صَادِقًا.
أَمَّا قَوْلُهُ: أَفَلا تَعْقِلُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ لِمَا ذَكَرْتُهُ لَكُمْ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَا مَطْمَعَ لَكُمْ فِي إِيمَانِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الحسن. وثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ قَالُوا لَهُمْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَيْكُمْ وَتَصِيرُونَ مَحْجُوجِينَ بِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحِكَايَةِ عَنْهُمْ فَلَا وَجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ فَخَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِذَلِكَ فَرَغَّبَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي أَنْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْرِفُوا أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَعَلَانِيَتَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ حُلُولَ الْعِقَابِ بِسَبَبِ نِفَاقِهِمْ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، فَهَذَا الْكَلَامُ زَجْرٌ/ لَهُمْ عَنِ النِّفَاقِ، وَعَنْ وَصِيَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِكِتْمَانِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْيَهُودَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُقَالُ عَلَى طَرِيقِ الزَّجْرِ: أَوَلَا يَعْلَمُ كَيْتَ وَكَيْتَ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ زَاجِرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يُسِرَّ إِلَى إِخْوَانِهِمُ النَّهْيَ عَنْ إِظْهَارِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ لَيْسُوا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ عَالِمًا بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فَشَأْنُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَعْجَبُ.
قَالَ الْقَاضِي: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَزْجُرَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحِجَاجِ وَالنَّظَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ طَرِيقَةَ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ظَاهِرًا عِنْدَ الْيَهُودِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا قَالُوهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَكُونُ إِلْزَامِيَّةً لِأَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ وَبِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا جَرَمَ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرَافُ بِالنُّبُوَّةِ وَلَوْ مَنَعُوا إِحْدَى تَيْنِكَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَمَا تَمَّتِ الدَّلَالَةُ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآتِيَ بِالْمَعْصِيَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً يَكُونُ أَعْظَمَ جُرْمًا وَوِزْرًا والله أعلم.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٨ الى ٧٩]
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)
اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ الْيَهُودُ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالْعِنَادِ وَأَزَالَ الطَّمَعَ عَنْ إِيمَانِهِمْ بَيْنَ فِرَقِهِمْ، فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى: هِيَ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ الْمُضِلَّةُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ:

صفحة رقم 563

الْمُنَافِقُونَ، وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الْمُنَافِقِينَ، وَالْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ: هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهُمُ الْعَامَّةُ الْأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ بِقِرَاءَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ وَطَرِيقَتُهُمُ التَّقْلِيدُ وَقَبُولُ مَا يُقَالُ لَهُمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ الِامْتِنَاعِ وَاحِدًا بَلْ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهُمْ سَبَبٌ آخَرُ وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ شَرْحِ فِرَقِ الْيَهُودِ وَجَدَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يُعَانِدُ الْحَقَّ وَيَسْعَى فِي إِضْلَالِ الْغَيْرِ وَفِيهِمْ مَنْ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا، وَفِيهِمْ مَنْ يكون عاماً مَحْضًا مُقَلِّدًا، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْأُمِّيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْ لَا يُقِرُّ بِكِتَابٍ وَلَا بِرَسُولٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ وَهَذَا الثَّانِي أَصْوَبُ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي الْيَهُودِ وَكَانُوا مُقِرِّينَ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ
وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ»
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِذَلِكَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: «الْأَمَانِيُّ» جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وَلَهَا مَعَانٍ مُشْتَرِكَةٌ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهَا: مَا تَخَيَّلَهُ الْإِنْسَانُ فَيُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ وُقُوعَهُ وَيُحَدِّثُهَا بِكَوْنِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يَعِدُ فَلَانًا وَيُمَنِّيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [النِّسَاءِ: ١٢٠] فَإِنْ فَسَّرْنَا الْأَمَانِيَّ بِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ: (إِلَّا أَمَانِيَّ) إِلَّا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمَانِيِّهِمْ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِخَطَايَاهُمْ وَأَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ وَمَا تُمَنِّيهِمْ أَحْبَارُهُمْ مِنْ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُمْ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. وَثَانِيهَا: إِلَّا أَمانِيَّ إِلَّا أَكَاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوهَا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَبِلُوهَا عَلَى التَّقْلِيدِ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِابْنِ دَأْبٍ فِي شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ: أَهَذَا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أَمْ تَمَنَّيْتَهُ أَمِ اخْتَلَقْتَهُ. وَثَالِثُهَا: إِلَّا أَمانِيَّ أَيْ إِلَّا مَا يَقْرَءُونَ مِنْ قَوْلِهِ: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» والاشتقاق منى من، إِذَا قَدَّرَ لِأَنَّ الْمُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ وَيَجُوزُ مَا يَتَمَنَّاهُ، وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِقُ وَالْقَارِئُ يُقَدِّرُ أَنَّ كَلِمَةَ كَذَا بَعْدَ كَذَا، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ:
حَمْلُهُ عَلَى تَمَنِّي الْقَلْبِ أَوْلَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [الْبَقَرَةِ: ١١١] أَيْ تَمَنِّيهِمْ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النِّسَاءِ: ١٢٣] وَقَالَ: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى: وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الْجَاثِيَةِ: ٢٤] بِمَعْنَى يُقَدِّرُونَ وَيَخْرُصُونَ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: حَمْلُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الْحَجِّ: ٥٢] وَلِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَلْيَقُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُونَهُ وَبِقَدْرِ مَا يُذْكَرُ لَهُمْ فَيَقْبَلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَحَادِيثُ وَالْأَكَاذِيبُ أَوِ الظَّنُّ وَالتَّقْدِيرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ نَادِرًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَمانِيَّ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، قَالَ النَّابِغَةُ:

حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ وَلَا عِلْمَ إِلَّا حُسْنُ ظَنٍّ بِغَائِبِ
وَقُرِئَ «إِلَّا أَمَانِيَ» بِالتَّخْفِيفِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَكَالْمُحَقِّقِ لِمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ الْأَمَانِيَ إِنْ أُرِيدَ بِهَا التَّقْدِيرُ وَالْفِكْرُ لِأُمُورٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، فَهِيَ ظَنٌّ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرَارًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَدِيثُ النَّفْسِ غَيْرُ وَالظَّنُّ غَيْرُ فَلَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى التِّلَاوَةِ عَلَيْهِمْ يَحْسُنُ مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَمِنْهُمْ أميون لا

صفحة رقم 564

يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا بِأَنْ يُتْلَى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُوهُ وإلا بان يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا تُوَصِّلُ إلى الحق، وفي الآية مسائل. أحدها: أَنَّ الْمَعَارِفَ كَسْبِيَّةٌ لَا ضَرُورِيَّةٌ فَلِذَلِكَ ذَمَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَيَظُنُّ. وَثَانِيهَا: بُطْلَانُ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْكَلٌ لِأَنَّ/ التَّقْلِيدَ فِي الْفُرُوعِ جَائِزٌ عِنْدَنَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُضِلَّ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَالْمُغْتَرُّ بِإِضْلَالِ الْمُضِلِّ أَيْضًا مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالظَّنِّ فِي أُصُولِ الدِّينِ غَيْرُ جَائِزٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ
فَقَالُوا: الْوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا كُلُّ مَكْرُوبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّهُ مَسِيلُ صَدِيدِ أَهْلِ جَهَنَّمَ،
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ».
قَالَ الْقَاضِي: «وَيْلٌ» يَتَضَمَّنُ نِهَايَةَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ فَهَذَا الْقَدْرُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَيْلُ عِبَارَةً عَنْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أَوْ عَنِ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ كَتَبْتُ إِذَا أَمَرَ بِذَلِكَ فَفَائِدَةُ قَوْلِهِ: بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَأْكِيدٌ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَحْسُنُ فِيهِ التَّأْكِيدُ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ يُنْكِرُ مَعْرِفَةَ مَا كَتَبَهُ: يَا هَذَا كَتَبْتَهُ بِيَمِينِكَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ يَكْتُبُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَيَكْسِبُ هَذَا الْكَسْبَ فِي غَايَةِ الرَّدَاءَةِ لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنِ الدِّينِ وَأَضَلُّوا وَبَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ، فَذَنْبُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا يَضُرُّ يَعْظُمُ إِثْمُهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَيَضُمُّ إِلَى الْكَذِبِ الْإِضْلَالَ وَيَضُمُّ إِلَيْهِمَا حُبَّ الدُّنْيَا وَالِاحْتِيَالَ فِي تَحْصِيلِهَا وَيَضُمُّ إِلَيْهَا أَنَّهُ مَهَّدَ طَرِيقًا فِي الْإِضْلَالِ بَاقِيًا عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، فَلِذَلِكَ عَظَّمَ تَعَالَى مَا فَعَلُوهُ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: كَتَبَةُ الْكِتَابِ وَالْآخَرُ: إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْكَذِبِ، فَهَذَا الْوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْكَتَبَةِ أَوْ عَلَى إِسْنَادِ الْمَكْتُوبِ إِلَى اللَّهِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا؟ قُلْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ كَتَبَةَ الْأَشْيَاءِ الْبَاطِلَةِ لِقَصْدِ الْإِضْلَالِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُنْكَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى نِهَايَةِ شَقَاوَتِهِمْ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَجِبُ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْوِزْرِ الْقَلِيلِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَرْضَى بِالْعِقَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ النَّفْعِ الْحَقِيرِ فِي الدُّنْيَا، الثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ التَّحْرِيفَ دِيَانَةً بَلْ إِنَّمَا فَعَلُوهُ طَلَبًا لِلْمَالِ وَالْجَاهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ عَلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّرَاضِي فهو محرم، لأن الذي كَانُوا يُعْطُونَهُ مِنَ الْمَالِ كَانَ عَلَى مَحَبَّةٍ وَرِضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ فَالْمُرَادُ أَنَّ كَتْبَتَهُمْ لِمَا كَتَبُوهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَلِكَ أَخْذُهُمُ الْمَالَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ أَعَادَ ذِكْرَ الْوَيْلِ فِي الْكَسْبِ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَجْمُوعَهُمَا يَقْتَضِي الْوَعِيدَ الْعَظِيمَ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الشُّبْهَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا يَكْسِبُونَ هَلِ الْمُرَادُ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَى هَذِهِ الْكِتَابَةِ وَالتَّحْرِيفِ فَقَطْ أَوِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ سَائِرُ مَعَاصِيهِمْ وَالْأَقْرَبُ فِي نِظَامِ الْكَلَامِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْكُلَّ، لَكِنَّ الَّذِي يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُقَيَّدْ كَسْبُهُمْ بِهَذَا الْقَيْدِ لَمْ يَحْسُنِ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ وَأَوْلَى مَا يُقَيَّدُ/ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ كِتَابَتَهُمْ لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى لَكَانَتْ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ

صفحة رقم 565

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية