ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون { ٨٣ }.
تفسير المفردات
الميثاق : العهد الشديد المؤكد، وهو قسمان : عهد خلقة وفطرة، وعهد نبوة ورسالة وهو المراد هنا، وهذا العهد أخذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم، واليتيم : من الحيوان ما لا أم له، ومن الإنسان من لا أب له، وأصل المادة يفيد الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة لانفرادها في العقد، والمسكين : هو العاجز عن الكسب.
المعنى الجملي
ذكر سبحانه في الآيات السابقة بني إسرائيل الذين كانوا في عصر التنزيل بما أنعم الله به على آبائهم من النعم كتفضيلهم على العالمين، وإنجائهم من الغرق وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم ما كان يحصل إثر كل نعمة من مخالفة، فحلول عقوبة، فتوبة من الذنب بعد ذلك.
وفي هذه الآية ذكرهم بأهم ما أمر به أسلافهم من عبادات ومعاملات، ثم ما كان منهم من إهمالها وترك إتباعها، وسيعاد الكلام فيها أيضا بعد، لأن المقام يحتاج إلى الإطناب والبسط، ولأن القلوب مستحجرة لا ينفذ شعاع الحق في أكنافها، وأذهانهم كليلة فهي في حاجة إلى التكرار بين آن وآخر، لعلها ترجع على رشدها.
وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بهذا ليؤديهم التأمل في أحوالهم، إلى قطع الطمع في إيمانهم، لأن قبائح أسلافهم تمنعهم من الهدى والرشاد كما قال :
*إذا طاب أصل المرء طابت فروعه*
الإيضاح
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي واذكر أيها الرسول حين أخذنا عليهم الميثاق.
ثم بين هذا الميثاق فقال :
لا تعبدون إلا بالله يقال أخذت عليك عهدا تفعل كذا، وأن تفعل كذا، ويرد مثل هذا الخبر في كلامهم متضمنا معنى النهي أو الأمر كما تقول : تذهب إلى فلان وتقول له كيت وكيت، على معنى اذهب وقل له، وفيه مبالغة وتوكيد كأن المخاطب سيمثل النهي حتما ويسارع إلى الترك فيخبر به الناهي، أي لا تعبدوا إلا الله.
وقد نهوا عن عبادتهم غير الله مع أنهم كانوا يعبدون الله خوفا من أن يشركوا به سواه من ملك أو بشر أو صنم بدعاء أو غيره من أنواع العبادات.
ودين الله على ألسنة الرسل جميعا فيه الحث على عبادة الله وعدم الشرك بعبادة أحد سواه واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا فالتوحيد عماده الأمران معا.
وبالوالدين إحسانا أي أحسنوا إليهما، بأن تعطفوا عليهما وترعوهما حق الرعاية، وتنزلوا عند أمرهما فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة أن من يسب والديه يقتل.
والحكمة في البر بهما أنهما قد بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشؤونه، حين كان عاجزا ضعيفا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، مع الشفقة التي لا مزيد عليها، أفلا يجب عليه بعدئذ مكافأتهما جزاء وفاقا لما صنعا ؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان .
ولحب الوالدين لولدهما أسباب :
الحنان الفطري الذي أودعه الله فيهما إتماما لحكمته في بقاء الأنواع إلى الأمد الذي قدره في سابق علمه.
التفاخر بالأبناء كما قال ابن الرومي :
وكم من أب قد علا بابن ذرا شرف كما علت برسول الله عدنان
الأمل في الاستفادة منهما مالا وعونا على المعيشة.
وهذا الحب لا يحتاج إلى ما يقويه ويوثق صلته، ومن ثم ترك القرآن النص عليه.
وذي القربى لأن الإحسان إليهم مما يقوي الروابط بينهم.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان الإحسان
فما الأمة إلا مجموعة الأسر والبيوت، فصلاحها بصلاحها وفسادها بفسادها، ومن لا بيت له لا أمة له، ومن قطع لحمة النسب فكيف يصل ما دونها، وكيف يكون جزاء من الأمة، يسره ما يسرها ويؤلمه ما يؤلمها، ويرى في منفعتها منفعته، وفي مضرتها مضرته.
ونظام الفطرة قاض بأن صلة القرابة أمتن الصلات، وجاء الدين حاثا عليها مؤكدا لأواصرها، مقويا لأركانها، مقدما لحقوقها على سائر الحقوق بحسب درجات القرابة.
واليتامى والمساكين فالإحسان إلى اليتيم بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، والكتاب والسنة مليئان بالوصية به، وحسبك من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ) وأشار بالسبابة والوسطى.
والسر في هذا أن اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته والقيام بشؤونه وحفظ أمواله، والأم وإن وجدت تكون في الغالب عاجزة عن تنشئته وتربيته التربية المثلى، إلى أن الأيتام أعضاء في جسم الأمة، فإذا فسدت أخلاقهم وساءت أحوالهم، تسرب الفساد إلى الأمة جمعاء، إذ يصبحون قدوة سيئة بين نشئها، فيدب فيها الفساد ويتطرق إليها الانحلال، وتأخذ في الفناء.
والإحسان على المساكين يكون بالصدقة عليهم ومواساتهم حين البأساء والضراء، روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( الساعي على الأرملة
والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر ).
وقدم اليتيم على المسكين، لأن هذا يمكنه أن يسعى بنفسه للحصول على قوته، بخلاف الأول فإن الصغر مانع له من ذلك.
وقولوا للناس حسنا أمر الله أولا بالإحسان بالمال لأقوام مخصوصين، وهم الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين، إذ لا يمكن الشخص أن يحسن به إلى الناس جميعا، لأنه لا يسع كل الأمة، ومن ثم اكتفى في حقوق سائر أفرادها بحسن العشرة والقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع لهم في الدين والدنيا.
وفي القيام بهذه الفرائض إصلاح لحال المجتمع وسعي في رقيه وتقدمه حتى يبلغ ذروة المجد والشرف.
وبعد أن أمرهم سبحانه بعبادته وحده على سبيل الإجمال، فصل بعضا من ذلك مما لا يهتدى إليه إلا بهدي إلهي ووحي سماوي فقال :
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لأن الصلاة هي التي تصلح النفوس وتنقيها من أدران الرذائل، وتحليها بأنواع الفضائل، وروحها هو الإخلاص لله والخشوع لعظمته وسلطانه، فإن فقدته كانت صورا ورسوما لا تغني فتيلا، وهم ما تولوا ولا أعرضوا عن تلك الصور والرسوم إلى عصر التنزيل، بل إلى يومنا هذا.
ثم الزكاة لما فيها من إصلاح شئون المجتمع، وقد كان لهم ضروب من الزكاة منها مال خاص يؤدى لآل هارون، وهو إلى الآن في اللاويين
سبط من أسباطهم ومنها مال للمساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة.
ثم توليتم إلا قليلا وأنتم معرضون أي ثم كان من أمركم أن توليتم عن العمل بالميثاق ورفضتموه وأنتم في حال الإعراض عنه وعدم الاهتمام بشأنه.
وفي قوله : وأنتم معرضون مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدي ما يجب له، فليس كل من تولى عن شيء يكون معرضا عنه.
وقد كان من توليهم وإعراضهم أن اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا مشرعين يحلون ويحرمون، ويبيحون ويحظرون، ويزيدون ما شاءوا من الشعائر والمناسك الدينية، فكأنهم شركاء لله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله، كما كان من توليهم أن بخلوا بالمال في الواجبات الدينية كالنفقة على ذوي القربى وأداء الزكاة، وتركوا النهي عن المنكر على نحو ذلك مما يدل على الاستهتار بأمور الدين، وقوله : إلا قليلا منهم أخرج بعض من كانوا في عهد موسى عليه السلام ممن أقام اليهودية على وجهها، ومن كان في عصر التنزيل أو بعده وأسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه من المخلصين المحافظين على الحق بقدر الطاقة، وفائدة ذكره عدم بخس العاملين حقهم، والإشادة بذكرهم، والإشارة إلى أن وجود القليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب إذا فشا فيها الفساد وعم البلاء، وقد جرت سنة الله بأن بقاء الأمة عزيزة مرهوبة الجانب ذات سطوة وبأس، إنما يكون بمحافظة السواد الأعظم فيها على الأخلاق الفاضلة والدأب على العمل الذي به تستحق العز والشرف.
بعد هذا لا عجب فيما ترى من حلول الكرب والبلاء بالمسلمين الذين فتنوا في دينهم ودنياهم وهم غافلون لاهون، لا يعتبرون ولا يذكرون.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير