ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

انقضى المقطع السابق في السورة في تذكير بني إسرائيل بأنعم الله عليهم وجحودهم لهذا الإنعام المتواصل ؛ وباستعراض مشاهد الإنعام والجحود، بعضها باختصار وبعضها بتطويل ؛ وانتهى هذا الاستعراض بتقرير ما انتهت إليه قلوبهم في نهاية المطاف من قسوة وجفاف وجدب، أشد من قسوة الحجارة وجفافها وجدبها.
فالآن يأخذ السياق في الاتجاه بالخطاب إلى الجماعة المسلمة يحدثها عن بني إسرائيل، ويبصرها بأساليبهم ووسائلهم في الكيد والفتنة ؛ ويحذرها كيدهم ومكرهم على ضوء تاريخهم وجبلتهم، فلا تنخدع بأقوالهم ودعاويهم ووسائلهم الماكرة في الفتنة والتضليل. ويدل طول هذا الحديث، وتنوع أساليبه على ضخامة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من الكيد المنصوب لها والمرصود لدينها من أولئك اليهود !
وبين آن وآخر يلتفت السياق إلى بني إسرائيل ليواجههم - على مشهد من المسلمين - بما أخذ عليهم من المواثيق، وبما نقضوا من هذه المواثيق ؛ وبما وقع منهم من انحرافات ونكول عن العهد وتكذيب بأنبيائهم، وقتلهم لهؤلاء الأنبياء الذين لا يطاوعونهم على هواهم، ومن مخالفة لشريعتهم، ومن التوائهم وجدالهم بالباطل، وتحريفهم لما بين أيديهم من النصوص.
يستعرض جدالهم مع الجماعة المسلمة وحججهم ودعاويهم الباطلة، ويلقن الرسول [ ص ] أن يفضح دعاويهم، ويفند حججهم، ويكشف زيف ادعاءاتهم، ويرد عليهم كيدهم بالحق الواضح الصريح :
فلقد زعموا أن لن تمسهم النار إلا أياما معدودة بحكم ما لهم من المكانة الخاصة عند الله ! فلقن الله نبيه [ ص ] أن يرد عليهم قولهم هذا :( قل : أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ )..
وكانوا إذا دعوا إلى الإسلام ( قالوا : نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ).. فلقن الله رسوله [ ص ] أن يفضح دعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم :( قل : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ؟ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا. قالوا : سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ! )..
وكانوا يدعون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. فلقن الله رسوله [ ص ] أن يتحداهم بدعوتهم إلى المباهلة أي أن يجتمع الفريقان : هم والمسلمون، ثم يدعون الله أن يميت الكاذب :( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ).. وقرر أنهم لن يتمنوه أبدا - وهذا ما حدث. فقد نكصوا عن المباهلة لعلمهم أنهم كاذبون فيما يدعون !
وهكذا يمضي السياق في هذه المواجهة، وهذا الكشف، وهذا التوجيه.. ومن شأن هذه الخطة أن تضعف - أو تبطل - كيد اليهود في وسط الصف المسلم ؛ وأن تكشف دسائسهم وأحابيلهم ؛ وأن تدرك الجماعة المسلمة طريقة اليهود في العمل والكيد والادعاء، على ضوء ما وقع منهم في تاريخهم القديم.
وما تزال الأمة المسلمة تعاني من دسائس اليهود ومكرهم ما عاناه أسلافها من هذا المكر ومن تلك الدسائس ؛ غير أن الأمة المسلمة لا تنتفع - مع الأسف - بتلك التوجيهات القرآنية، وبهذا الهدى الإلهي، الذي انتفع به أسلافها، فغلبوا كيد اليهود ومكرهم في المدينة، والدين ناشيء، والجماعة المسلمة وليدة.. وما يزال اليهود - بلؤمهم ومكرهم - يضللون هذه الأمة عن دينها، ويصرفونها عن قرآنها، كي لا تأخذ منه أسلحتها الماضية، وعدتها الواقية. وهم آمنون ما انصرفت هذه الأمة عن موارد قوتها الحقيقية، وينابيع معرفتها الصافية.. وكل من يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فإنما هو من عملاء يهود ؛ سواء عرف أم لم يعرف، أراد أم لم يرد، فسيظل اليهود في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها - حقيقة العقيدة الإيمانية والمنهج الإيماني والشريعة الإيمانية - فهذا هو الطريق. وهذه هي معالم الطريق :
ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود، ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء والانحراف والنكول عن العهد والميثاق. ويواجه اليهود بهذه المواقف على مشهد من المسلمين :
( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ؛ وبالوالدين إحسانا ؛ وذي القربى واليتامى والمساكين ؛ وقولوا للناس حسنا ؛ وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة.. ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون. وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم. ثم أقررتم وأنتم تشهدون.. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون )..
ولقد سبقت الإشارة إلى الميثاق في معرض تذكير الله لبني إسرائيل بإخلاف موقفهم معه في الدرس الماضي. فهنا شيء من التفصيل لبعض نصوص هذا الميثاق.
ومن الآية الأولى ندرك أن ميثاق الله مع بني إسرائيل، ذلك الميثاق الذي أخذه عليهم في ظل الجبل، والذي أمروا أن يأخذوه بقوة وأن يذكروا ما فيه.. أن ذلك الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله. هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضا، فتنكروا لها وأنكروها.
لقد تضمن ميثاق الله معهم : ألا يعبدوا إلا الله.. القاعدة الأولى للتوحيد المطلق. وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين. وتضمن خطاب الناس بالحسنى، وفي أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. كذلك تضمن فريضة الصلاة وفريضة الزكاة. وهذه في مجموعها هي قواعد الإسلام وتكاليفه..
ومن ثم تتقرر حقيقتان : الأولى هي وحدة دين الله ؛ وتصديق هذا الدين الأخير لما قبله في أصوله. والثانية هي مقدار التعنت في موقف اليهود من هذا الدين، وهو يدعوهم لمثل ما عاهدوا الله عليه، وأعطوا عليه الميثاق.
وهنا - في هذا الموقف المخجل - يتحول السياق من الحكاية إلى الخطاب، فيوجه القول إلى بني إسرائيل. وكان قد ترك خطابهم والتفت إلى خطاب المؤمنين. ولكن توجيه الخطاب إليهم هنا أخزى وأنكى :
( ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون )..
وهكذا تتكشف بعض أسرار الالتفات في سياق القصص وغيره في هذا الكتاب العجيب !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير