ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة بل جميع أعماله سَيِّئَاتٌ فَهَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرِيعَةِ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النِّسَاءِ: ١٢٣- ١٢٤].
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً أَيْ عَمِلَ مِثْلَ أَعْمَالِكُمْ وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ حتى يحيط به كفره، فماله مِنْ حَسَنَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الشِّرْكُ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه. وقال الْحَسَنُ أَيْضًا وَالسُّدِّيُّ:
السَّيِّئَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قَالَ: بِقَلْبِهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو وائل وعطاء والحسن وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال: أَحَاطَ بِهِ شِرْكُهُ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رزين عن الربيع بن خيثم وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قَالَ الذِي يَمُوتُ عَلَى خطاياه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتُوبَ، وَعَنِ السُّدِّيِّ وَأَبِي رَزِينٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ والموجبة الكبيرة، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُذْكَرُ هَاهُنَا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لهم مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، وَأَجَّجُوا نَارًا فَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي من آمن بما كفرتم وَعَمَلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمُ الْجَنَّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له.
[سورة البقرة (٢) : آية ٨٣]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)

(١) مسند الإمام أحمد (ج ١ ص ٤٠٢).

صفحة رقم 208

يُذَكِّرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَهُمْ به من الأوامر وأخذه مِيثَاقَهَمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَعْرَضُوا قَصْدًا وَعَمْدًا وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ، وَيَذْكُرُونَهُ، فأمرهم تعالى أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِهَذَا أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النَّحْلِ: ٣٦] وَهَذَا هُوَ أَعْلَى الْحُقُوقِ وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَهُ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ وَآكَدُهُمْ وَأَوْلَاهُمْ بِذَلِكَ حَقُّ الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لُقْمَانَ: ١٤] وقال تبارك وتعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: ٢٣] إِلَى أَنْ قَالَ وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الْإِسْرَاءِ: ٢٦] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِرُّ؟ قَالَ «أُمَّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ «أُمَّكَ» قَالَ: ثُمَّ من؟ قال: «أباك» ؟ ثم أدناك ثم أدناك».
وقوله تعالى: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ خَبَرٌ بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَهُوَ آكَدُ، وَقِيلَ كَانَ أَصْلُهُ «أن لا تعبدوا إلا الله» ونقل من قرأها من السَّلَفِ، فَحُذِفَتْ أَنْ فَارْتَفَعَ، وَحُكِيَ عَنْ أُبَيٍّ وابن مسعود أنهما قرءاها «لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ» وَنَقَلَ هَذَا التَّوْجِيهَ الْقُرْطُبِيُّ «١» فِي تفسيره عن سيبويه. قال:
واختاره الكسائي وَالْفَرَّاءُ، قَالَ وَالْيَتامى وَهُمُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَا كاسب لهم من الآباء، وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ عِنْدَ آيَةِ النِّسَاءِ التِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: ٨٣] أَيْ كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلِينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فَالْحُسْنُ مِنَ الْقَوْلِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: حُسْنًا كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْطَلِقٍ» «٣» وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي،

(١) تفسير القرطبي ٢/ ١٣.
(٢) مسند الإمام أحمد (ج ٥ ص ١٧٣).
(٣) في المسند: «طلق». [.....]

صفحة رقم 209

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

محمد حسين شمس الدين

الناشر دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
الطبعة الأولى - 1419 ه
عدد الأجزاء 1
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية