ﭠﭡﭢﭣ

وقوله ذِكْرِى بمعنى تذكرة، وهي في محل نصب على العلة أو المصدرية. وقال الكسائي : ذكرى في موضع نصب على الحال. وقال الفراء والزجاج : إنها في موضع نصب على المصدرية أي : يذكرون ذكرى. قال النحاس : وهذا قول صحيح، لأن معنى إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ إلا لها مذكرون. قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذكرى في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف : أي إنذارنا ذكرى، أو ذلك ذكرى. قال ابن الأنباري : المعنى هي ذكرى، أو يذكرهم ذكرى، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف وَمَا كُنَّا ظالمين في تعذيبهم، فقد قدّمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين قال : هذا القرآن نَزَلَ بِهِ الروح الأمين قال : جبريل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس : نَزَلَ بِهِ الروح الأمين قال : الروح الأمين جبريل. رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس. وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس في قوله : بلسان عربي مبين قال : بلسان قريش ولو كان غير عربي ما فهموه. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن بريدة في قوله : بلسان عربي مبينْ قال : بلسان جرهم. وأخرج مثله أيضا عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية عن ابن عباس قال : كان عبد الله بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم فآمن بكتاب محمد، فقال لهم الله : أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إسراءيل . وأخرج البخاري مسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال :" لما نزلت هذه الآية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وعمّ وخص فقال :«يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤيّ أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني قصيّ أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرًّا ولا نفعاً إلاّ أن لكم رحماً وسأبلها ببلالها» وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ قال : للصلاة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين يقول : قيامك وركوعك وسجودك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً : وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين قال : يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله : وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. ومنه الحديث في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«هل ترون قبلتي ها هنا ؟ فوالله ما يخفى عليّ خشوعكم، ولا ركوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري» وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله : وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين قال : من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجت نبياً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عنه في الآية نحوه.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : سأل أناس النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الكهان قال :«إنهم ليسوا بشيء»، قالوا : يا رسول الله إنهم يحدّثون أحياناً بالشيء يكون حقاً ؟ قال :«تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»، وفي لفظ للبخاري :«فيزيدون معها مائة كذبة» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، وكان مع كلّ واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، فأنزل الله : والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون الآيات. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال : لما نزلت والشعراء إلى قوله : مَا لاَ يَفْعَلُونَ قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ إلى قوله : يَنقَلِبُونَ ، وروي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس يَتَّبِعُهُمُ الغاوون قال : هم الكفار يتبعون ضلال الجنّ والإنس فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ قال : في كلّ لغو يخوضون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ أكثر قولهم يكذبون، ثم استثنى منهم فقال : إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ قال : ردّوا على الكفار [ الذين ] كانوا يهجون المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً والشعراء قال : المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَّبِعُهُمُ الغاوون قال : غواة الجنّ في كلّ واد يهيمون في كلّ فنّ من الكلام يأخذون. ثم استثنى فقال : إِلاَّ الذين ءامَنُواْ الآية، يعني حسان بن ثابت وعبد الله ابن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهجاء المشركين. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه الغاوون قال : هم الرواة. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عنه أيضاً : إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ الآية قال : أبو بكر وعمر وعليّ وعبد الله بن رواحة.
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك ؛ أنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه ؟ فقال :«إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل» وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر ينشد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً» وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعاً :«الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهنّ في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار» وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن من الشعر لحكمة» قال : وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالوا : إنا نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اقرؤوا»، فقرؤوا : والشعراء إلى قوله : إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فقال :«أنتم هم» وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً فقال :«أنتم هم» وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ فقال :«أنتم هم» وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :«اهج المشركين، فإن جبريل معك» وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب قال : قيل يا رسول الله، إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة فقال : يا رسول الله، ائذن لي فيه، فقال :«أنت الذي تقول ثبت الله» فقال : نعم يا رسول، قلت :
ثبت الله ما أعطاك من حسن*تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا
قال :«وأنت، ففعل الله بك مثل ذلك»، ثم وثب كعب فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه ؟ فقال :«أنت الذي تقول همت ؟» قال : نعم يا رسول الله، قلت :

همت سخينة أن تغالب ربها فلتغلبنّ مغالب الغلاب
فقال :«أما إن الله لم ينس ذلك لك»، ثم قام حسان، فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لساناً له أسود، فقال : يا رسول الله لو شئت لفريت به المراد، ائذن لي فيه، فقال :«اذهب إلى أبي بكر فليحدّثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم واهجهم وجبريل معك» وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال : مرّ عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فنظر إليه، فقال : قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، فسكت ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال : أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«أجب عني، اللهم أيده بروح القدس ؟» قال : نعم. وأخرج ابن سعد من حديث جابر مرفوعاً نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن من الشعر حكماً» وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم :«إن من الشعر حكماً، ومن البيان سحراً».
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً يريه، خير من أن يمتلىء شعراً» وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً» قال في الصحاح : وروى القيح جوفه يريه، وريا : إذا أكله، قال القرطبي : روى إسماعيل بن عباس عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«حسن الشعر كحسن الكلام، وقبيح الشعر كقبيح الكلام» قال القرطبي : رواه إسماعيل عن عبد الله بن عون الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح، فيما قال يحيى بن معين وغيره. قال : وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال :" ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت ؟» قلت : نعم. قال :«هيه»، فأنشدته بيتاً، فقال :«هيه»، ثم أنشدته بيتاً، فقال :«هيه» حتى أنشدته مائة بيت ". وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد في قوله : وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ قال : هؤلاء الذين يخربون البيت.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية