وبعد أن ذكر الفارق بين محمد صلى الله عليه وسلم والكهنة - أردف ذلك ذكر الفارق بينه وبين الشعراء فقال : والشعراء يتبعهم الغاوون .
تفسير المفردات : الغاوون : الضالون المائلون عن السنن القويم.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه امتناع تنزل الشياطين بالقرآن، وأثبت أنه تنزيل من رب العالمين - أعقب هذا ببيان استحالة تنزلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنزل إلا على كل كذاب فاجر، ورسول الله صادق أمين. ثم ذكر أن الكذابين يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقون وحيهم وهو تخيلات لا تطابق الحق والواقع. وبعدئذ ذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، لأن الشعراء يهيمون في كل واد من أودية القول من مدح وهجو وتشبيب ومجون بحسب الهوى والمنفعة، فأقوالهم لا تترجم عن حقيقة، وليس بينها وبين الصدق نسب، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الصدق، فأنّى له أن يكون شاعرا ؟
الإيضاح : والشعراء يتبعهم الغاوون أي إن الشعراء يتبعهم الضالون الحائدون عن السنن القويم، المائلون إلى الفساد الذي يجر إلى الهلاك، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، بل هم الساجدون الباكون الزاهدون.
وقد سبق أن قلنا : إن من الشعر ما يجوز إنشاده، ومنه ما يكره أو يحرم ؛ روى مسلم من حديث عمرو بن الشّريد عن أبيه قال :" ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ قلت : نعم، قال : هيه فأنشدته بيتا، فقال : هيه، ثم أنشدته بيتا فقال هيه، حتى أنشدته مائة بيت ".
وفي هذا دليل على العناية بحفظ الأشعار إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية ؛ لأنه كان حكيما ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام :" كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ".
ثم بين تلك الغواية بأمرين :
١- ألم تر أنهم في كل واد يهيمون .
٢- وأنهم يقولون ما لا يفعلون .
تفسير المراغي
المراغي