ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال :
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
قلت : الهمزة : للإنكار التوبيخي، والواو : للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي : أَفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض. . إلخ. و( كم ) : خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية.
يقول الحق جل جلاله : أوَ لَم يروا أي : ينظروا إلى عجائب الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ؛ أي : من كل صنف محمود كثير المنفعة، يأكل منه الناس والأنعام. وتخصيص النبات بالذكر، دون ما عداه من الأصناف ؛ لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معاً. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات ؛ نافعها وضارها، ويكون وصف الكل بالكرم ؛ للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة، إما وحده، أو بانضمامه إلى غيره، كما نطق به قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : ٢٩ ] فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلاً إلا وفيه حكمة بالغة، وإن غفل عنه الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة، وهما " كم " و " كلّ " ؛ أنّ كلمة " كلّ " تدل على الإحاطة بأزواج النبات ؛ على سبيل التفصيل، و " كم " تدل على أنَّ هذا المحاط متكاثر، مفرط الكثرة، وبه نبّه على كمال قدرته.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي