ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

وقوله تعالى : أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ، إشارة إلى ظاهرة كونية يواجهها كل إنسان، وبدونها لا يستطيع العيش لا هو ولا غيره من الحيوان، وهذه الظاهرة هي ظاهرة النبات، الذي هو بالنسبة للإنسان والحيوان أساس الغذاء والاقتيات، فكم من حكمة باهرة فيما مهد به للنبات، من أرض صالحة ومطر يحيي الموات، ثم كم لله من حكمة باهرة فيما تنبته الأرض من حبوب وثمار وازهار وأشجار، متنوعة الأوراق والأغصان، وفواكه وخضر مختلفة الطعوم والأحجام والأشكال والألوان. ومما يزيد معنى هذه الآية توضيحا وتفسيرا قوله تعالى في سورة الرعد : وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ الآية : ٤ ]، وقوله تعالى في سورة فاطر : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها [ الآية : ٢٧ ].
وقوله تعالى في هذا الربع من كل زوج كريم يمكن حمله على أمر ظاهر للناس جميعا، وهو أن النوع الواحد من أنواع النبات توجد منه أصناف متعددة، لكل صنف مزيته الخاصة، مثل أصناف العنب وأصناف التمر وأصناف البرتقال، وغيرها مما لا يحصى عدا، ووصف النبات " بالكرم " في هذه الآية جار على ما هو متعارف في لسان العرب، يقال نخلة " كريمة " أي كثيرة التمر، ويمكن أن يكون قوله تعالى هنا : من كل زوج كريم شاهدا من الذكر الحكيم على معنى جديد لم يهد إليه العلم الحديث إلا أخيرا، وهذا المعنى هو مبدأ ثنائية الكائنات وازدواجها على اختلاف أنواعها، وهو المبدأ الذي ينص على أن كل شيء من الكائنات، من أوائل أو مركبات، ثنائي مزدوج، يجتمع فيه السالب والموجب، وهذا المبدأ العلمي العام يشهد له قوله تعالى على وجه العموم : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون [ الذاريات : ٤٩ ]، وقوله تعالى في آية ثانية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون [ يس : ٣٦ ].

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير