١٠٩- قال الشافعي : قال الله عز وجل : فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاء مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فانتهى عدد ما رخص فيه للمسلمين إلى أربع، لا يحل لمسلم أن يجمع بين أكثر من أربع، إلا ما خص الله به رسوله صلى الله عليه وسلم دون المسلمين من نكاح أكثر من أربع يجمعهن، ومن النكاح بغير مهر فقال عز وعلا : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ اِلْمُومِنِينَ ١.
قال الشافعي : أخبرنا الثقة أحسبه إسماعيل بن إبراهيم٢ ـ شك الشافعي ـ عن معمر٣، عن الزهري، عن سالم عن أبيه : أن غيلان بن سلمة الثقفي٤ أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم :« أمسك أربعا وفارق سائرهن »٥.
قال الشافعي : أخبرنا بعض أصحابنا، عن أبي الزناد، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمان بن عوف٦، عن عوف بن الحارث٧، عن نوفل بن معاوية الديلي٨ قال : أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال :« فارق واحدة وأمسك أربعا ». فعمدت إلى أقدمهن عندي عجوزا عاقرا منذ ستين سنة ففارقتها٩.
قال الشافعي : أخبرني بن أبي يحيى١٠، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي وهب الجيشاني١١، عن أبي خراش١٢، عن الديلمي١٣ أو ابن الديلمي قال : أسلمت وتحتي أختان، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم : فأمرني أن أمسك أيتهما شئت، وأفارق الأخرى١٤.
قال الشافعي : فبهذا نقول : إذا أسلم المشرك وعنده أكثر من أربع نسوة أمسك منهن أربعا، أيتهن شاء، وفارق سائرهن، لأنه لا يحل له غير ذلك، لقول الله عز وجل، وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يجمع بين أكثر من أربع نسوة في الإسلام. ( الأم : ٥/١٦٣-١٦٤. ون الأم : ٥/٤٩. والسنن الكبرى : ٧/١٤٩. )
ــــــــــــ
١١٠- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى : فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاء مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ إلى قوله : أَلا تَعْدِلُوا ١٥.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : فكان بينا في الآية ـ والله تعالى أعلم ـ أن المخاطبين بها الأحرار لقوله تعالى : فَوَاحِدَةًً اَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ ١٦ لأنه لا يملك إلا الأحرار. وقوله : ذَلِكَ أَدْنى أَلا تَعُولُواْ ١٧ فإنما يعول من له المال ولا مال للعبيد.
قال الشافعي : أخبرنا بن عيينة قال : أخبرني محمد بن عبد الرحمان١٨ مولى طلحة ـ وكان ثقة ـ عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة١٩ : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : ينكح العبد امرأتين٢٠.
قال الشافعي : وهذا قول الأكثر٢١ من المفتين بالبلدان، ولا يزيد العبد على امرأتين. وكذلك كل من لم تكمل فيه الحرية : من عبد قد عُتق بعضه، ومكاتب، ومدبر، ومعتق إلى أجل. ( الأم : ٥/٤١. ون الأم : ٥/١٤٥. وأحكام الشافعي : ١/١٧٩-١٨٠. ومختصر المزني ص : ١٦٧. )
ــــــــــــ
١١١- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تعالى : فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاء إلى تَعُولُوا ٢٢ وقول الله : ذَلِكَ أَدْنى أَلا تَعُولُوا يدل ـ والله أعلم ـ أن على الرجل نفقة امرأته. وقوله : أَلا تَعُولُوا أن لا يكثر من تعولون إذا اقتصر المرء على واحدة، وإن أباح له أكثر منها٢٣. وقال الله عز وجل : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ٢٤. أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أن هند بنت عتبة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس لي منه إلا ما يدخل علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف »٢٥. ( الأم : ٥/١٠٦. ون الأم : ٥/٨٧. وأحكام الشافعي : ١/٢٦٠. ومختصر المزني ص : ٢٣٠. ومعرفة السنن والآثار : ٦/٩٩. )
٢ - إسماعيل بن إبراهيم ابن علية. الإمام أبو بشر. عن: أيوب، وابن جدعان، وعطاء بن السائب. وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأمم. ت سنة: ١٩٣هـ. إمام حجة. الكاشف: ١/٧٣. ون التهذيب: ١/٢٩٠. وقال في التقريب ثقة حافظ..
٣ - معمر بن راشد، أبو عروة الأزدي مولاهم عالم اليمن. عن: الزهري، وهمام. وعنه: غندر، وابن المبارك، وعبد الرزاق. قال معمر: طلبت العلم سنة. مات الحسن ولي أربع عشرة سنة. وقال أحمد: لا تضم معمرا إلى أحد إلا وجدته يتقدمه. كان من أطلب أهل زمانه للعلم. وقال عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف. ت في رمضان سنة: ١٥٣. الكاشف: ٢/١٤٦. ون التهذيب: ٨/٢٨٢. وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل..
٤ - غيلان بن سلمة بن معتب بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف. وكان غيلان بن سلمة شاعرا. وفد على كسرى فسأله أن يبني له حصنا بالطائف فبنى له حصنا بالطائف. ثم جاء الإسلام فأسلم غيلان وله عشر نسوة. الطبقات الكبرى: ٥/٥٠٥. ون الإصابة: ٥/٣٣٧..
٥ - أخرجه الترمذي في النكاح (٩) باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (٣٢) (ر١١٢٨) قال أبو عيسى: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة (٤٠) (ر١٩٥٣).
ورواه مالك في الطلاق (٢٩) باب: جامع الطلاق (٢٩) (ر٧٦) عن ابن شهاب منقطعا.
ورواه أحمد في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. قال شاكر: إسناده صحيح (وذلك بعد مناقشة مستفيضة لما قاله أهل الحديث فيه).
ورواه البيهقي في النكاح باب: من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة ٧/١٨١.
ورواه الشافعي في المسند (ر١٠٥٥)..
٦ - عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. عن: ابن المسيب، وأبي صالح. وعنه: مالك، والدراوردي. ثقة. الكاشف: ٢/٢٠٠. ون التهذيب: ٥/٢٨٣. وقال في التقريب: ثقة..
٧ - عوف بن الحارث الأزدي. عن: عمته عائشة، وعدة. وعنه: هشام بن عروة، ومحصن بن علي، وجماعة. وثق. الكاشف: ٢/٣٤٣. ون التهذيب: ٦/٢٨٠. وقال في التقريب: مقبول. وتعقبه صاحب التحرير ٣/١٢٥ فقال: بل صدوق حسن الحديث. فقد روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ولا يعلم فيه جرح، بل أخرج له البخاري في «الصحيح»..
٨ - نوفل بن معاوية الديلي. له صحبة. عنه: عراك بن مالك، وأبو بكر بن عبد الرحمن، تأخر موته. الكاشف: ٣/١٩٩. ون الإصابة: ٦/٤٨١. والتهذيب: ٨/٥٦٤. وقال في التقريب: صحابي..
٩ - رواه البيهقي في النكاح باب: من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة ٧/١٨٤.
ورواه الشافعي في المسند (ر١٠٥٦)..
١٠ - محمد بن أبي يحيى سمعان الأسلمي. عن: عكرمة، وسالم. وعنه: ابنه إبراهيم، وابن وهب، ويحيى القطان. ثقة. ت سنة: ١٤٦. الكاشف: ٣/٨٩. ون التهذيب: ٧/٤٩٠. وقال في التقريب: صدوق. وتعقبه صاحب التحرير ٣/٣٣٣ فقال: بل ثقة، وثقه أبو داود، وابن سعد، والعجلي، وابن معين، ويعقوب بن سفيان، والخليلي، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال أبو حاتم: تكلم فيه يحيى القطان. قلنا: وكلام يحيى القطان لا يؤثر في توثيقه فإنه متشدد، على أن الترمذي نقل عن ابن المديني أن يحيى القطان قال فيه: لم يكن به بأس..
١١ - أبو وهب ديلم، وقيل: عبيد. عن: الضحاك الديلمي، وعبد الله بن عمرو. وعنه: الليث، وابن لهيعة. قال البخاري: ديلم بن الهوشع، أو وهب الجيشاني في إسناده نظر. الكاشف: ٣/٣٦٢. ون التهذيب: ١٠/٣٠٦. وقال في التقريب: مقبول..
١٢ - أبو خراش الرعيني. عن: فيروز. وعنه: أبو وهب الجيشاني. الكاشف: ٣/٣١٣. ون التهذيب: ١٠/٩٣. وقال في التقريب: مجهول..
١٣ - فيروز الديلمي صحابي. عنه: بنوه الضحاك وعبد الله وسعيد. وآخرون. قيل: بقي إلى خلافة معاوية. الكاشف: ٢/٣٧٣. ون الإصابة: ٥/٣٧٩. والتهذيب: ٦/٤٣٣. وقال في التقريب: صحابي..
١٤ - رواه أبو داود في الطلاق (٧) باب: فيمن أسلم وعنده نساء (٢٥) (ر٢٢٤٣) عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتي أختان، قال: « طلق أيتهما شئت».
ورواه الترمذي في النكاح (٨) باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (٣٣) (ر١١٢٩-١١٣٠) وقال: هذا حديث حسن.
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: الرجل يسلم وعنده أختان (٣٩) (ر١٩٥٠-١٩٥١).
ورواه أحمد في المسند من حديث فيروز الديلمي رضي الله عنه. قال شاكر: إسناده حسن.
ورواه البيهقي في النكاح باب: من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة ٧/١٨٤.
ورواه الشافعي في المسند (ر١٠٥٧)..
١٥ - النساء: ٣..
١٦ - النساء: ٣..
١٧ - النساء: ٣..
١٨ - محمد بن عبد الرحمن بن عبيد التيمي. عن: السائب بن يزيد، وكريب. وعنه: شعبة، وسعد بن الصلت. قال ابن عيينة: كان أعلم من عندنا بالعربية. الكاشف: ٣/٥١. ون التهذيب: ٧/٢٨٢. وقال في التقريب: ثقة..
١٩ - عبد الله بن عتية بن مسعود الهذلي. من أبناء المهاجرين. له رؤية. سمع عمه وعمر. وعنه: ابناه الفقيه عبيد الله والزاهد عون، وابن سيرين. قال ابن سعد: ثقة رفيع كثير الفتيا والحديث. ت بالكوفة سنة: ٧٤. الكاشف: ٢/١٠٣ ون الإصابة: ٤/١٦٦. والتهذيب: ٤/٣٨٩. وقال في التقريب: وثقه العجلي وجماعة..
٢٠ - روى البيهقي في النكاح باب: نكاح العبد وطلاقه ٧/١٥٨ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهر ونصف. وروى في نفس الباب عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين..
٢١ - أخرج مالك في النكاح (٢٨) باب: نكاح العبيد (١٩)(ر٤٣) أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: ينكح العبد أربع نسوة. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك..
٢٢ - النساء: ٣..
٢٣ - هذا التفسير انفرد به الشافعي، وكثير من المفسرين أنكروا عليه ذلك. واتفقوا على أن قوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنى أَلا تَعُولُواْ. أي لا تجوروا ولا تميلوا. يقال: عال الرجل إذا جار ومال. وعال عياله: إذا أنفق عليهم. وأعال: إذا كثر عياله. ن تفسير ابن جرير ٣/٥٨١.
وقد انتصر الزمخشري والرازي لقول الشافعي معللين ذلك بقولهم: أنه إذا كثر عيال الرجل، فإنه يلزمه أن يعولهم، وينفق عليهم، وإذا احتاج إلى الإنفاق عليهم فإنه يقع في الجور والظلم، لأن كسب النفقة شديد وشاق. فلما كانت كثرة العيال سببا للميل والجور، عبر الشافعي رضي الله عنه عن الميل والجور بكثرة العيال تعبيرا عن المسبب بذكر السبب، على سبيل الكناية. والمفسرون يفسرون كثيرا من الألفاظ على المعنى، لا على الأصل. ن مناقب الإمام الشافعي ص: ٢٣٤-٢٣٥..
٢٤ - البقرة: ٢٣٣..
٢٥ - سبق تخريجه. ن البقرة: ٢٣٣، النص: ٧٢..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي