ورد ابن العربي على ذلك الرأي فقال: الحكم بخمس وعشرين سنة لا وجه له، لا سيما وأبو حنيفة يرى المقدّرات لا تثبت قياسا، وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة نص ولا قول من جميع وجوهه، ولا يشهد له المعنى «١».
والخلاصة: دلت الآية على أمرين:
١- وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند توافر الأهلية الملائمة لإدارة الأموال.
٢- كل وجوه الانتفاع ومنها الأكل بمال اليتيم حرام ومن كبائر الذنوب العظيمة إلا عند الحاجة، عملا بالآية التالية: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء ٤/ ٦].
إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ووجوب إيتاء المهر
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣ الى ٤]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)
الإعراب:
فِي الْيَتامى أي في نكاح اليتامى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ منصوب على البدل من ما للعدل والوصف، أي أن الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة، وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها، فمثنى
تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة. ويصح كونها منصوبا على الحال من فاعل طاب أو من مرجعه.
فَواحِدَةً أي فانكحوا واحدة، وهو جواب الشرط في قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا وقرئ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهي واحدة، أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره:
فامرأة واحدة تقنع، والأول أولى.
نِحْلَةً منصوب على المصدر نَفْساً منصوب على التمييز هَنِيئاً مَرِيئاً: حالان من هاء فَكُلُوهُ وهي تعود على شيء. والواو في فَكُلُوهُ تعود على الأولياء أو على الأزواج.
المفردات اللغوية:
تُقْسِطُوا تعدلوا ولم تظلموا، من أقسط: عدل، مثل قوله تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وأما قسط: فمعناه جار، قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً.
ما طابَ لَكُمْ ما مال إليه القلب منهن. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ هذه ألفاظ عدد معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فيهن بالنفقة والقسم في المبيت والمعاملة فَواحِدَةً أي انكحوا واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اقتصروا على ما ملكتم من الإماء، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات.
ذلِكَ أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري أَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَعْدِلُوا تجوروا، أي ذلك أقرب إلى عدم العول والجور.
وَآتُوا أعطوا صَدُقاتِهِنَّ مهورهن، جمع صدقة نِحْلَةً عطية وهبة عن طيب نفس فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً تمييز محول عن الفاعل، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق، فوهبنه لكم هَنِيئاً مَرِيئاً الهنيء: ما يستلذه الآكل، والمريء: ما تحسن عاقبته وهضمه وتغذيته، أي أنه محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة.
سبب النزول:
نزول الآية (٣) :
وَإِنْ خِفْتُمْ: روى الصحيحان والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عروة بن الزّبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه الآية،
فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، يشركها في مالها، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوّجها من غير أن يقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطى أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
وقال سعيد بن جبير وقتادة والرّبيع والضّحّاك والسّدّي: كانوا يتحرّجون عن أموال اليتامى ويترخّصون في النّساء، ويتزوّجون ما شاؤوا، فربّما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن اليتامى، فنزلت آية اليتامى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية، أنزل الله تعالى أيضا: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يقول: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فلا تتزوّجوا أكثر ما يمكنكم القيام بحقهنّ لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز.
وهذا قول ابن عبّاس في رواية الوالبي (علي بن ربيعة بن نضلة ثقة من كبار الثالثة).
نزول الآية (٤) :
وَآتُوا النِّساءَ: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، فأنزل: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً.
التفسير والبيان:
موضوع الآية يتحدد بحسب النزول فهو إما في التزوّج بالنساء غير اليتيمات، أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه.
وإما في العدل بين النساء ومنع إلحاق الظلم بهنّ حالة التعدد، أي أنه لما نزلت آية: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تحرج الأولياء من ولايتهم مع أنهم كانوا
لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث كان تحت الرجل عشرة منهن، لا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى، فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقللوا عدد المنكوحات منهن لأن من تحرّج من ذنب، وهو مرتكب مثله، فهو غير متحرج.
والمراد من الخوف: العلم، عبر بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا.
أي إن علمتم وأحسستم من أنفسكم إلحاق الظلم باليتامى بعدم إعطائهن مهورهن، أو بأكل أموال الأيتام بالباطل، فعليكم ألا تتزوّجوا باليتيمة، وتزوّجوا بغيرها من النساء واحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا، أو عليكم أن تعدلوا بين النساء حال التعدد، فلا تتزوجوا بأكثر من أربع لتتمكنوا من العدل والقسم بينهن، وتكون أحوال الرجال زمرا متنوعة، فمنهم من يتزوّج اثنتين، ومنهم من يتزوّج ثلاثا، ومنهم من يتزوّج أربعا، وعدد الأربع هو الحدّ الأقصى الذي يمكن معه العدل بين الزوجات.
والأمر في قوله: فَانْكِحُوا للإباحة، مثل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة ٢/ ١٨٧ وغيرها]، وقيل: للوجوب أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا وجوب أصل النكاح.
وقوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ تدلّ كلّ كلمة منها على المكرر من نوعها، فمثنى تدلّ على اثنين اثنين، وثلاث تدلّ على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدلّ على أربعة أربعة، والمراد منها الإذن لكلّ من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور، متّفقين فيه أو مختلفين.
ثمّ أكّد الله تعالى ضرورة التزام العدل بين الزوجات المتعددات، المفهوم من قوله وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا... فذكر أنه إن خفتم ألا تعدلوا حال تعدّد الزوّجات،
فعليكم أن تلزموا الزوّاج بواحدة، فإن الذي يباح له التعدّد هو من يثق بنفسه بتحقيق العدل المأمور به صراحة في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء ٤/ ١٢٩]. وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب، ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدّد بوجه ما.
والخوف من عدم العدل يشمل حال الظنّ والشّك في ذلك. فإما أن تقتصروا على واحدة من الحرائر أو تقتصروا على الاستمتاع بما تشاؤون من الإماء (السّراري) بطريق التّسري لا بطريق النكاح لعدم وجوب العدل بينهن، وإنما المطلوب فقط حقّ الكفاية في نفقة المعيشة بحسب العرف.
ذلك أي اختيار الواحدة أو التّسري أقرب إلى الوقوع في عدم الجور والظلم، فالمراد من قوله: أَلَّا تَعُولُوا ألا تجوروا. وحكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه فسّر أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، نقل الكسائي والأصمعي والأزهري عن فصحاء العرب: عال يعول: إذا كثرت عياله.
والخلاصة: إن البعد عن الجور سبب في تشريع الاقتصار على واحدة أو على التّسري، وفيه إشارة إلى اشتراط العدل بين الزوجات. والعدل المطلوب بين النساء هو العدل المادي أي القسم بينهن في المبيت، والتّسوية في نفقات المعيشة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. أما العدل المعنوي أو الأمر القلبي وهو الميل والحبّ فغير مطلوب لأنه ليس في وسع الإنسان ولا يدخل في حدود طاقته. لذا كان الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها
يقول فيما ذكرته السنن عن عائشة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك»
أي من ميل القلب.
وإذا خاف الشخص عدم العدل حرم عليه أن يتزوّج أكثر من واحدة.
ثم خاطب الله الأزواج فأمرهم بإعطاء الزّوجات مهورهن عن طيب نفس دون تلكؤ، رمزا للمودّة التي تقوم بين الزّوجين، وعنوانا على المحبة وتكريم
المرأة. ذهب ابن عبّاس إلى أن الخطاب في هذه الآية: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور.
وقيل: الخطاب للأولياء، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرّجل إذا زوّج أيّما (وهي المرأة التي لا زوج لها) أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزلت: وَآتُوا النِّساءَ.
فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئا من المهر من غير ضرار ولا خديعة، فكلوه هنيئا مريئا، أي يحلّ لكم ذلك ولا ذنب عليكم في أخذه، لا تخافون في الدّنيا مطالبة، ولا في الآخرة تبعة.
وعبر بالأكل وأراد حلّ التصرّف فيه، وخصّ الأكل بالذّكر لأنه معظم وجوه التّصرفات المالية، كما في قوله تعالى المتقدم: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت آية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا على ما يأتي:
١- وجوب التزام العدل في كلّ شيء، سواء في الإشراف على أموال اليتامى، أو في الزّواج بهن، أو في أثناء تعدّد الزوجات من غير اليتيمات، قال ابن عبّاس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا في النّساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرّجون في النّساء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ
قالت: وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المراد منه هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ والمعنى: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهن، فانكحوا، ما مالت إليه نفوسكم من النّساء غيرهنّ.
والمقصود النّهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل.
٢- الآية على تأويل عائشة هذا تشهد لمن قال: إن لغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة أو يتزوّجها لأنها على هذا التأويل نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق، وأقرب ولي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوّجها هو «ابن العم».
وعليه تكون الآية متضمنة جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره.
وإذا جاز له أن يتزوّجها، فإما أن يلي هو النكاح بنفسه، وإما أن يزوّجه إياها أخوها مثلا. وأيّا ما كان فلغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة.
وأما من قال من الأئمة: لا يزوج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التّأويلين الآخرين (عدم الإقساط في مهرها، أو التّحرّج في ولاية الأيتام) أو يحمل اليتامى على الكبار منهن، وعلى طريق المجاز المرسل باعتبار ما كان لقرب عهدهن باليتيم.
٣- تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال:
إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي المرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطّها عن صداق مثلها لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعا.
وذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ
وتستأمر، لقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: فِي يَتامَى النِّساءِ والمراد به هناك:
اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تزوّج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تزوّج إلا بإذنها،
كما رواه الدّارقطني عن ابن عمر، قال: زوّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال قدامة: يا رسول الله، ابنة أخي، وأنا وصي أبيها، ولم أقصّر بها، زوّجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها» فنزعت مني وزوّجها المغيرة بن شعبة.
٤- دلّ تفسير عائشة للآية على وجوب صداق المثل إذا فسد تعيين الصداق ووقع الغبن في مقداره، لقولها: «بأدنى من سنّة صداقها».
٥- إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها، جاز له أن يتزوّجها، ويكون هو النكاح والمنكح، على ما فسّرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، أي أنه يمكن انعقاد الزواج بعاقد واحد.
وقال زفر والشافعي: لا يجوز له أن يتزوّجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه وليّ لها غيره لأن الولاية شرط من شروط العقد،
لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه البيهقي عن عمران وعن عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»
فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، أي لا بدّ من تعدد العاقد.
٦- في الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وأنه لا يجوز التّزوج بأكثر من أربعة مجتمعات في عصمة رجل واحد لأن هذا العدد قد ذكر في مقام
التوسعة على المخاطبين، فلو كان وراء هذا العدد مباح، لاقتضى المقام ذكره.
ولا يدلّ هذا العدد: مثنى وثلاث ورباع على إباحة تسع، وعضد ذلك بأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته.
ويرده إجماع الصحابة والتابعين على الاقتصار على أربع، ولم يخالف في ذلك أحد،
وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدّارقطني في سننهما أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لغيلان بن أميّة الثقفي، وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن».
٧- وتمسّك الإمام مالك وداود الظاهري والطبري بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، على حدّ سواء، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقّف نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين. قالوا: والخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.. لا يتناول العبيد لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد لا يملك ذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن ماجه عن ابن عمر: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر».
ولأن قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، وكذلك قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ.. لا يشمل العبيد لأن العبد لا يتملك، بل يكون الشيء الموهوب له لسيّده، فيكون الآكل السيّد لا العبد.
وما عقوبة الذي يتزوّج خامسة وعنده أربع؟
اختلف العلماء، فقال مالك والشافعي وأبو ثور: عليه الحدّ إن كان عالما.
وقال الزّهري: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد، ولها مهرها، ويفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدا.
وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك.
وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) : يحدّ في ذات الزواج المحرّم ولا يحدّ في غير ذلك من النّكاح، مثل أن يتزوّج مجوسية أو خمسة في عقد، أو تزوّج متعة أو تزوّج بغير شهود، أو أمة تزوّجها بغير إذن مولاها.
٧- الاقتصار على امرأة واحدة واجب عند خوف الظلم لأن معنى قوله:
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً: إن خفتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فمن خاف من ذلك، فليقتصر على واحدة أو على الجواري السّراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.
وأرشدت الآية: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ إلى ما يأتي:
١- وجوب المهر للزّوجة: إن الفروج لا تستباح إلا بصداق يلزم، سواء أسمي ذلك في العقد أم لم يسمّ. وإن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع لأن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزّوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء. وهذا مجمع عليه ولا خلاف فيه: ونظير الآية قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء ٤/ ٢٥] أي أعطوهن مهورهن.
وأجمع العلماء أيضا على أنه لا حدّ لكثير المهر، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً.
٢- التنازل عن المهر: يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء. ولكن ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: فَإِنْ طِبْنَ ولم يقل: فإن وهبن، إعلاما بأن المراعى في ذلك التنازل عن المهر طيبة به نفسها من غير إكراه مادي أو أدبي، أو سوء معاشرة، أو خديعة.
ويدلّ عموم قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ على أن هبة المرأة صداقها لزوجها جائزة، سواء أكانت بكرا أم ثيّبا. وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها، وجعل ذلك للولي، مع أن الملك لها.
واتّفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها، نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه.
وإن تنازلت المرأة عن شيء من صداقها بشرط عند عقد النّكاح ألّا يتزوّج عليها، ثمّ تزوّج عليها، فلا شيء لها في رواية ابن القاسم عن مالك لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه.
وقال ابن عبد الحكم: إن خالف هذا الشرط، رجعت عليه بتمام صداق مثلها لأنه شرط عليه نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا، كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء،
لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه الحاكم عن أنس وعائشة: المسلمون عند شروطهم».
٣- إباحة أخذ الزّوج المهر: يحلّ للزّوج أخذ ما وهبت زوجته بالشّرط السابق: «طيب النّفس» من غير أن يكون عليه تبعة في الدّنيا والآخرة.
وليس المقصود من قوله: فَكُلُوهُ صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان. وهو معنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ليس المراد نفس الأكل إلّا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتّع بالمال عبّر عن «التّصرفات» بالأكل.
ونظيره قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة ٦٢/ ٩] إن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النّكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى.
٤- إيجاب المهر في الخلوة الصحيحة: احتجّ الجصاص «١» بقوله تعالى:
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلقت قبل الدخول (المساس). ويلاحظ أن الآية عامة في كلّ النساء، سواء المخلو بها وغيرها إلّا أن قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يدلّ على أنه لا يجب للمخلو بها إلّا نصف المهر، وهذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام.
الحكمة من تعدد الزوجات:
الوضع الطبيعي وهو الأشرف والأفضل أن يكون للرجل زوجة واحدة، لأن الغيرة مشتركة بين الزوج والزوجة، فكما أن الزوج يغار على زوجته، كذلك الزوجة تغار على زوجها.
ولكن الإسلام أباح التعدّد لضرورة أو حاجة وقيّده بقيود: القدرة على الإنفاق، والعدل بين الزّوجات، والمعاشرة بالمعروف. والإباحة لأحوال استثنائية منها:
١- عقم الزوجة: الرّجل بالفطرة يحبّ ٧ نجاب الولد وأن تذهب ثروته ونتيجة جهوده لأولاده فإذا كانت المرأة عاقرا لا تلد، فأيهما أولى: الطلاق أم تعدد الزوجات؟ لا شك بأن الزواج من امرأة ثانية أخفّ ضررا على الزوجة الأولى بشرط صون كرامتها، وأداء حقوقها كاملة غير منقوصة.
٢- كثرة النساء: إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في غالب البلاد، وقد تكثر النساء ويقل الرجال عقب أزمات الحروب، فيكون الأفضل تعدد الزوجات تحقيقا لعفاف المرأة وصونا لها عن ارتكاب الفاحشة، وتطهيرا للمجتمع من آثار الزنى وما يعقبه من انتشار الأمراض وكثرة المشردين واللقطاء.
٣- الحالة الجنسية: قد تصاب المرأة بالبرود الجنسي ولا سيما عقب بلوغ سن اليأس أو قبله عند استئصال الرحم بسبب مرض. وقد يكون الرجل ذا قدرة جنسية زائدة أو شبق دائم مستمر، وهو لا يكتفي بامرأة واحدة، لعدم استجابتها أحيانا، أو لطروء الحيض عليها أسبوعا في كل شهر على الأقل، فيكون اللجوء للتزوج بزوجة ثانية حاجزا له عن الوقوع في الزنى الذي يضيّع الدّين والمال والصّحة، ويسيء إلى السّمعة.
أما إساءة استعمال بعض المسلمين إباحة تعدّد الزوجات كالانتقام من الزوجة السابقة، أو لمجرّد الشّهوة، لا لهدف مما ذكر، فهو تصرّف شخصي لا يسيء إلى الأصول والمبادئ الإسلامية التي أباحت التعدّد مقيّدا بقيود معينة. وعلى كلّ حال، نادى كثير من فلاسفة الغرب بتعدّد الزّوجات، وهو لا شكّ أفضل بكثير من تعدّد العشيقات والمخادنات، وأما الطلاق فهو واقع في كلّ ديار الغرب لأسباب كثيرة بل تافهة يترفّع المسلمون عن مجاراتهم فيها.
أسباب تعدّد زوجات النّبي صلّى الله عليه وسلّم:
لم يعدد النّبي صلّى الله عليه وسلّم زوجاته إلى تسع بقصد شهواني أو لمتعة جنسية، واقتصر
على واحدة هي السيّدة خديجة أم المؤمنين إلى نهاية الكهولة وهي سنّ الرابعة والخمسين من عمره الشريف، وبعد هذه السّن تقل الرّغبة بالنّساء عادة، وكان أكثرهن ثيّبات لا أبكارا.
وإنما كان تعدّد زوجاته لأغراض إنسانيّة واجتماعيّة وإسلاميّة، فقد يتزوّج امرأة بتزويج الله له كزينب بنت جحش لإبطال عادة التّبني، وقد يتزوّج امرأة لتعويضها عن زوجها الذي فقدته بسبب الهجرة أو الجهاد في سبيل الله، وقد يتزوّج من القبائل لتقوية رابطتهم بالإسلام، وربّما كان زواجه أحيانا بقصد نشر الإسلام بين القبائل العربية، فتكون مصاهرته لقبيلة مثل زواجه بجويرية بنت الحارث سببا في اعتناقها الإسلام، فدخل بنو المصطلق في الإسلام بسبب جويرية، وكان في هذا التعدّد فوائد كثيرة من أهمها تعليم نساء المسلمين الأحكام الخاصة بالنّساء أو الخاصة بين الزّوجين، وجعلهنّ قدوة في تطبيق الأحكام الإسلامية المتعلّقة بالأسرة وغيرها لأنه عليه الصلاة والسّلام القدوة الحسنة للمسلمين في أخلاقه ومعاشرته وسلوكه وعبادته ونحو ذلك.
والخلاصة: إن تعدّد الزّوجات في الإسلام أمر تلجئ إليه الضرورة، أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة، وإصلاح مفاسده أولى من إلغائه، ولا يجرأ أحد على الإلغاء لأن النصوص الشرعية تدلّ صراحة على إباحته، وتعطيل النّص أو الخروج عليه أمر منكر حرام في شرع الله ودينه.
والنّبي صلّى الله عليه وسلّم راعى الحكمة البالغة والمصلحة الإسلامية في اختيار كل زوجة من زوجاته، فأما خديجة فهي الزوجة الأولى التي رزق منها الأولاد، وذلك متّفق مع سنّة الفطرة. وأما سودة بنت زمعة، فلتعويضها عن زوجها بعد رجوعها من هجرة الحبشة الثانية، وهي من المهاجرات الأوليّات، فلو عادت إلى أهلها لعذّبوها وفتنوها عن دينها، وأما عائشة وحفصة فلإكرام صاحبيه ووزيريه:
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأما زينب بنت جحش فلإبطال توابع عادة التّبنّي مثل تحريم التّزوج بزوجة المتبنّى. وأما جويرية بنت الحارث سيّد قومه بني المصطلق فمن أجل إعتاق الأسرى، وكان ذلك سببا في إسلام بني المصطلق.
وأما زينت بنت خزيمة الملقبة أم المساكين فلتعويضها عن زوجها وهو عبد الله بن جحش الذي قتل في أحد، فلم يدعها أرملة تقاسي المتاعب والأحزان.
وكذلك زواجه بأم سلمة (واسمها هند) كان لتعزيتها بفقد زوجها أبي سلمة، ولفضلها وجودة رأيها يوم الحديبية.
وأما زواجه بأم حبيبة: رملة بنت أبي سفيان بن حرب فلتأليف قلوب قومها وإدخالهم في الإسلام، بعد أن هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة الهجرة الثانية، فتنصّر هناك، وثبتت هي على الإسلام.
وأما زواجه بصفية بنت حيي بن أخطب سيّدة بني قريظة والنّضير من سبي خيبر، فمن أجل تحريرها من الأسر وإعتاقها.
وأما ميمونة بنت الحارث الهلالية (وكان اسمها برّة) آخر أزواجه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى، فلتشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم «١».
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي