ثم ينتقل الحق إلى قضية أخرى يجتمع فيها ضعف اليتم، وضعف النوع : ضعف اليتم سواء أكان ذكرا أم أنثى، وإن كانت أنثى فالبلوى أشد ؛ فهي قد اجتمع عليها ضعف اليتم وضعف النوع، طبعا فاليتيمة عندما تكون تحت وصاية وليها، يجوز أن يقول : إنها تملك مالا فلماذا لا أتزوجها لكي آخذ المال ؟ وهذا يحدث كثيرا.
ولذلك يقول الحق سبحانه : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ٣ .
هنا يؤكد الحق الأمر بأن ابتعدوا عن اليتامى. فاليتيم مظنة ان يظلم لضعفه، وبخاصة إذا كان أنثى. إن الظلم بعامة محرم في غير اليتامى، ولكن الظلم مع الضعيفة كبير، فهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها، فالمبالغة الرشيدة من النساء قد تستطيع أن تدفع الظلم عن نفسها. وقوله الحق : " وإن خفتم ألا تقسطوا " من " أقسط "، أي عدل، والقسط من الألفاظ التي تختلط الأذهان فيها، و " القسط " مرة يطلق ويراد به " العدل "، إذا كان مكسور القاف، ولذلك يأتي الحق سبحانه فيقول :
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ١٨ ( سورة آل عمران ).
وهكذا نعرف أن كلمة " قسط " تأتي مرة للعدل ومرة للجور.
ف " قسط " " يقسط " " قسطا " و " قسوطا " أي ظلم بفتح القاف في " قسط وضمها في " قسوط ".
والقسط بكسر القاف هو العدل.. والقسط بفتح القاف كما قلنا هو الظلم. وهناك مصدر ثان هو " قسوط " لكن الفعل واحد، وعندما يقول الحق :" وإن خفتم ألا تقسطوا " من أقسط. أي خفتم من عدم العدل وهو الظلم. وهناك في اللغة ما نسميه همزة الإزالة، وهي همزة تدخل على الفعل فتزيله، مثال ذلك : فلان عتب على فلان، أي لامه على تصرف ما، ويقال لمن تلقى العتاب عندما يرد على صاحب العتاب : أعتبه، أي طمأن خاطره وأزال مصدر العتاب.
ويقال : محمد عتب على علي. فماذا كان موقف علي ؟ يقال : أعتب محمدا أي طيب خاطره وأزال العتاب. ويقال أعجم الكتاب. فلا تفهم من ذلك أنه جعل الكتاب معجما، لا، فأعجمه أي أزال إبهامه وغموضه. كذلك " أقسط. أي ازال القسط والظلم اذن القسط هو العدل من اول الامر لكن اقسط إقساطا " تعني انه كان هناك جور أو ظلم وتم رفعه. والأمر ينتهي جميعه إلى العدل. فالعدل إن جاء ابتداء هو : قسط بكسر القاف. وإن جاء بعد جور تمت إزالته فهو إقساط. فحين يقال " أقسط " و " تقسطوا " بالضم، فمعناها انه كان هناك جور وظلم تم رفعه، ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجده يقول :
وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ١٥ ( سورة الجن ).
والقاسطون هنا من القسط بالفتح ومن القسوط بالضم، أي من الجور والظلم، ونجد القرآن الكريم يقول أيضا :
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ( من الآية ٤٢ سورة المائدة ).
أي أن الله يحب الذين إن رأوا ظلما أزالوه واحلوا محله العدل.
الحق هنا في سورة النساء يقول :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " أي إن خفتم ألا ترفعوا الظلم عن اليتامى، ومعنى أن تخاف من ألا تقسط لأنك بار تعرف كيف تنقذ نفسك من مواطن الزلل. أي فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه بأن يجور على اليتيمة فيظلمها. وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير اليتامى الكثير من النساء.
ومادامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح واردا، فهو لم يقل : اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح : اترك اليتيمة وأمامك النساء كثيرات. إذن فقد ناسب الحال أن تجيء مسألة التعدد هنا، لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولي عن نكاح اليتيمات مخافة أن يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة ؛ لأن النساء غيرها كثيرات. " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ".
وقوله الحق :" ما طاب لكم من النساء " أي غير المحرمات في قوله تعالى :
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ٢٢ ( سورة النساء ).
وفي قوله سبحانه :
حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ٢٣ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ( سورة النساء ).
إذن فما طاب لكم من النساء غير المحرمات هن اللاتي يحللن للرجل " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة او ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " وهنا يجب ان نفهم لماذا جاء هذا النص ؛ ولماذا جاء بالمثنى والثلاث والرباع هنا ؟.
إنه سبحانه يريد أن يزهد الناس في نكاح اليتيمات مخافة أن تأتي إلى الرجل لحظة ضعف فيتزوج اليتيمة ظالما لها، فأوضح سبحانه : اترك اليتيمة، والنساء غيرها كثير، فأمامك مثنى وثلاث ورباع، وابتعد عن اليتيمة حتى لا تكون طامعا في مالها أو ناظرا إلى ضعفها أو لأنها لم يعد لها ولي يقوم على شأنها غيرك.
ونريد أن نقف هنا وقفة أمام قوله تعالى :" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " ما معنى مثنى ؟ يقال " مثنى " أي اثنين مكررة، كأن يقال : جاء القوم مثنى، أي ساروا في طابور وصف مكون من اثنين اثنين. هذا يدل على الوحدة الجائية.
ويقال : جاء القوم ثلاث، أي ساروا في طابور مكون من ثلاثة ؛ ثلاثة ويقال : جاء القوم رباع. أي جاء القوم في طابور يسير فيه كل أربعة خلف أربعة أخرى.
ولو قال واحد : إن المقصود بالمثنى والثلاث والرباع أن يكون المسموح به تسعة من النساء. نقول له : لو حسبنا بمثل ما تحسب، لكان الأمر شاملا لغير ما قصد الله، فالمثنى تعني أربعة، والثلاث تعني ستة، والرباع تعني ثمانية، وبذلك يكون العدد ثمانية عشر، ولكنك لم تفهم، لأن الله لا يخاطب واحدا، لكن الله يخاطب جماعة، فيقول :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ".
فإذا قال مدرس لتلاميذه : افتحوا كتبكم، أيعني هذا الأمر أن يأتي واحد ليفتح كل الكتب ؟ لا، إنه أمر لكل تلميذ بأن يفتح كتابه، لهذا فإن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا.
وعندما يقول المدرس : أخرجوا أقلامكم. أي على كل تلميذ أن يخرج قلمه.
وعندما يقال : اركبوا سياراتكم، أي أن يركب كل واحد سيارته. إذن فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وقوله الحق :" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " هو قول يخاطب جماعة، فواحد ينكح اثنتين وآخر ينكح ثلاث نساء وثالث ينكح أربع نساء.
والحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعه مرة إيجابا ومرة يشرعه إباحة، فلم يوجب ذلك الأمر على الرجل، ولكنه أباح للرجل ذلك، وفيه فرق واضح بين الإيجاب وبين الإباحة. والزواج نفسه حتى من واحدة مباح. إذن ففيه فرق بين أن يلزمك الله أن تفعل وأن يبيح لك أن تفعل. وحين يبيح الله لك أن تفعل، ما المرجح في فعلك ؟ إنه مجرد رغبتك.
ولكن إذا أخذت الحكم، فخذ الحكم من كل جوانبه، فلا تأخذ الحكم، بإباحة التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة، وإلا سينشأ الفساد في الأرض، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله. لماذا ؟ لأنك إن أخذت التعدد، وامتنعت عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقا من الحكم، ولم تأخذ الشق الآخر وهو العدل، فالناس تجنح أما التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا ؟ لأن الناس شقوا كثيرا بالتعدد أخذا لحكم الله في التعدد وتركا لحكم الله في العدالة.
والمنهج الإلهي يجب أن يؤخذ كله، فلماذا تكره الزوجة التعدد ؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها التفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة، لذلك فلابد للمرأة ان تكره زواج الرجل عليها بامرأة أخرى.
إن الذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب ان يلزموا انفسهم بحكم الله أيضا في العدالة، فان لم يفعلوا فهم يشيعون التمرد على حكم الله، وسيجد الناس حيثيات لهذا التمرد، وسيقال : انظر، إن فلانا تزوج بأخرى وأهمل الأولى، او ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة.
فكيف تأخذ إباحة الله في شيء ولا تأخذ إلزامه في شيء آخر، إن من يفعل ذلك يشكك الناس في حكم الله، ويجعل الناس تتمرد على حكم الله والسطحيون في الفهم يقولون : إنهم معذورون، وهذا منطق لا يتأتى.
إن آفة الأحكام أن يؤخذ حكم جزئي دون مراعاة الظروف كلها، والذي يأخذ حكما عن الله لا بد أن يأخذ كل منهج الله.
هات إنسانا عدل في العشرة وفي النفقة وفي البيتوتة وفي المكان وفي الزمان ولم يرجح واحدة على أخرى، فالزوجة الأولى إن فعلت شيئا فهي لن تجد حيثية لها أمام الناس. أما عندما يكون الأمر غير ذلك فإنها سوف تجد الحيثية للاعتراض، والصراخ الذي نسمعه هذه الأيام إنما نشأ من أن بعضا قد أخذ حكم الله في إباحة التعدد ولم يأخذ حكم الله في عدالة المعدد. والعدالة تكون في الأمور التي للرجل فيها خيار. أما الأمور التي لا خيار للرجل فيها فلم يطالبه الله بها.
ومن السطحيين من يقول : إن الله قال : اعدلوا، ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل. نقول لهم : بالله أهذا تشريع ؟، أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال ؟ ألم يشرع الحق على عدم الاستطاعة فقال :
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ١٢٩ ( سورة النساء ).
وما دام قد شرع على عدم الاستطاعة في العدل المطلق فهو قد أبقى الحكم ولم يلغه، وعلى المؤمن ألا يجعل منهج الله له في حركة حياته عضين بمعنى أنه يأخذ حكما في صالحه ويترك حكما إن كان عليه. فالمنهج من الله يؤخذ جملة واحدة من كل الناس ؛ لأن أي انحراف في فرد من أفراد الأمة الإسلامية يصيب المجموع بضرر. فكل حق لك هو واجب عند غيرك، فإن أردت أن تأخذ حقك فأد واجبك. والذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يأخذوا حكم الله أيضا في العدل، وإلا أعطوا خصوم دين الله حججا قوية في إبطال ما شرع الله، وتغير ما شرع الله بحجة ما يرونه من آثار أخذ حكم وإهمال حكم آخر.
والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان، أي أن لكل واحدة من المتعددات مكانا يساوي مكان الأخرى، وفي الزمان، وفي متاع المكان، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه، فليس له أن يجعل شيئا له قيمة عند واحدة، وشيئا لا قيمة له عند واحدة أخرى، يأتي مثلا ببجامة " منامة " صوف ويضعها عند واحدة، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة ويضعها عن واحدة، لا. لا بد من المساواة، لا في متاعها فقط، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها، حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في بيته، فيأت
تفسير الشعراوي
الشعراوي